اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات  حين يُستبدل العلاج بالقسوة: ماذا لو قرأ فرويد هذه الجملة؟!

 حين يُستبدل العلاج بالقسوة: ماذا لو قرأ فرويد هذه الجملة؟!

0
 حين يُستبدل العلاج بالقسوة: ماذا لو قرأ فرويد هذه الجملة؟!


أي هراءٍ هذا؟! إن كبتَ العواطف لا يصنع إنسانًا صلبًا، بل يُنتج عصابًا متنكّرًا بقناع القسوة!

كل مشاعر تُدفن حيّة داخل النفس ستعود لاحقًا بشكل اضطراب، أو حلم، أو عرض جسدي!

إن الوحدة لا تُدرّب النفس، بل تكشف هشاشتها!

أما الصدمات، فلا تقوّي كما تتوهمون، بل تُخزَّن في اللاوعي كندوبٍ تنتظر الانفجار!

الإنسان لا يُشفى بالقسوة، بل بالاعتراف، وبفهم صراعاته اللاواعية!

أنصح صاحب هذه الجملة بأن يُحلّل علاقته بأمه أولًا، ثم يخضع لتحليل مطوّل ليفهم لماذا يرى في المشاعر ضعفًا!

من ثم فرويد كان سيرى هذه العبارة كارثة نفسية مقنّعة بلغة تحفيزية سطحية!

فهو يرى أن الإنسان يتكوّن من صراعات بين الـ “هو” (الغرائز)، و”الأنا الأعلى” (الضمير)، و”الأنا” (الواقع)، وكلّما حاولنا تجاهل العواطف أو إنكار الألم، نكون في خطر الوقوع في أعراض نفسية أعمق!

يتناقلون هذه المقولة  وكأن أحدهم اخترع خلطة للصمود… لكن من النوع القاسي، الذي يقتل ما تبقّى فيك من إنسان!

فماذا لو عُرضت هذه الجملة على سيغموند فرويد نفسه!ماذا كان سيردّ عليها؟!

تخيّل الأمر، مؤسّس التحليل النفسي، واضع خرائط اللاوعي، ينظر إلى هذا النص المتشنّج… سيبتسم نصف ابتسامة مشكّكة، ثم يقول:

“هذا ليس صلابة، هذا إنكار مرضي!

هذه ليست حكمة، بل كبتٌ يائس!

إنكم لا تعوّدون النفس على الشفاء، بل على التبلّد!”

فرويد لم يكن يبشّر بالقسوة، بل بالحفر في الألم!

لم يكن يرى في العواطف ضعفًا، بل نافذةً للّاعقلاني المقيم فينا!

الإنسان عنده ليس كتلةً من الحديد، بل كائن يتكوّن من نزاعات مكبوتة، من شهوات دفينة، ومن جراح لم يُعترف بها قط!

أما من “يعتاد الوحدة والصدمات”، فهو لا يتدرّب على النجاة، بل يُراكم الندوب في سراديب اللاوعي!

وكل صدمة لا تجد طريقها إلى الكلام، ستخرج بطريقة أخرى:

في نوبات هلع، أو أحلام جنسية مشوّهة، أو رغبة لا تُفهم، أو سلوك لا تفسّره إلا اللغة التي لا نجرؤ على نطقها!

إن عبارة “كن قاسيًا وصلبًا” ليست وصفة للتحصّن، بل مشروع انهيار مؤجّل!

الوحدة ليست قوّة، بل قوقعة!

والتجاهل العاطفي ليس نضجًا، بل تجميدًا داخليًا يقتل حسّك بالوجود!

أما تحطيم النفس، فليس ناتجًا عن الحياة، بل عن دفاعاتنا الزائفة ضد الحياة!

كان فرويد سيقول في النهاية:

“صاحب هذه الجملة بحاجة إلى جلسة تحليل أسبوعية لمدة ثلاث سنوات، قبل أن يُسمح له بالحديث عن القوة!”

نعم يا سادة، هذه اللعنة انتشرت كالنار في هشيم النفوس التائهة، لا بفعل الفلسفة، ولا عن طريق العلم، بل بفضل من يسمّون أنفسهم “مدربو الحياة”!

الـ”لايف كوتش” الذين لا يعرفون من الحياة إلا عناوين سطحية، ولا من الكوتشينغ إلا جعجعة تحفيزية ملوّنة بعبارات منزوعة المعنى!

هم تجّار مشاعر، يبيعونك أوهام “الصمود”، ويحقنونك بجمل مفرغة من أي عمق نفسي:

“كن قويًا!”، “تجاوز ضعفك!”، “عُدْ نفسك على الوحدة!” — وكأنهم يملكون مفاتيح الكون، بينما في حقيقتهم، لا يملكون حتى مفاتيح ذواتهم المتصدّعة!

من أين جاءت هذه البضاعة الرديئة؟!

من أي سوق نفسي هبطت علينا هذه المساحيق الخطابية التي تُجمّل القسوة وتُشيطن الألم؟!

التحليل النفسي يقول: احفرْ أعمق!

أما هم، فيقولون: تجاهل، وابتسم، وتظاهر بالقوة!

أي عبثٍ هذا؟!

حين تُختصر النفس البشرية في كورس تحفيزي مدته 90 دقيقة، وورقة عليها جملة: “أنت تستطيع!”، فاعلم أن المرض لم يعد فقط في الإنسان… بل في السوق الذي يروّج لوهم الشفاء بالصراخ!

احذروا من هؤلاء المزيفين الذين يُعلّمون الناس كيف يكونون صلْبين… دون أن يسألوهم يومًا: من كسرهم أصلًا؟!