

عندما تقف في إدنبرة أمام هذا التمثال لأعظم محقق في العالم، تُصاب بالرهبة من رؤية العظمة! إنها الشخصية الأشهر في العالم، مغامراته تحولت إلى أفلام للكبار وبرامج للأطفال، وله متاحف، وله عدة تماثيل في أنحاء العالم، بل هناك منظمة غير ربحية تحمل اسمه!
عندما تقف أمام تمثاله، وترى إعجاب الناس به، وبقوته، وحكمته، وبصيرته، وكيف يحلم المحققون في العالم أن يصبحوا مثله، وتقرأ كيف كان حكيمًا يحل أصعب الألغاز بسرعة فائقة، ويلاحظ ما لا يمكن ملاحظته، تعتقد للوهلة الأولى أنك تقرأ عن شخصية نبوية لإحدى الديانات! وما الفرق يا سيدي؟!
نعم، كل هذا وأكثر لهذه الشخصية! لكن المضحك في الأمر أن هذه الشخصية “خيالية”، صنعها الكاتب المبدع آرثر كونان دويل من إدنبرة! وقد نالت من الشهرة محليًا وعالميًا أكثر مما ناله الكاتب نفسه الذي ابتكرها! ولم يبقَ الحسد ملازمًا للقارئ والمحققين فقط، بل أصاب الكاتب ذاته! إذ إن انزعاجه من إعجاب الناس بالشخصية الوهمية أكثر منه كمبدع دفعه إلى “قتلها” في إحدى مغامراته! لكن، ولأن الناس اعترضوا عليه وعلى قتله لأفضل شخصية في العالم، أعادها إلى الحياة بطريقة إبداعية كعادته آنذاك! فتخيّل، يرعاك العقل!
[ولا تضحك يا سيدي إذا ما علمت أن مغامرات هذا المحقق الوهمي تُعتمد كدروس تدريبية للمحققين في كثير من الدول!]
وقد حرصت الطبعات الحديثة من تلك المغامرات على التنويه بوهمية الشخصية، لأن أغلب الناس كانوا يظنون أنه شخصية حقيقية! كانوا يتمثلون به، يحبونه، ويمجدونه!
فماذا تقول لنا هذه القصة، التي لم يمضِ على بدايتها سوى بضع سنوات بعد المئة؟
ببساطة: هكذا صُنِع الأبطال في العالم القديم!
لنتخيل معًا:
ماذا لو حكمت بريطانيا إحدى المافيات، وقامت بتنصيب ديكتاتور في الحكم باسم “الخليفة الهولمزي”؟!
ماذا لو أحرقت تلك المافيا المكتبات التي ضمّت مؤلفات تلك الشخصية، ثم أعادت نشرها بعد أن جعلتها شخصية نبوية؟!
ماذا لو جلدت، وحرقت، وقتلت كل من يشكك بنبوية هذه الشخصية؟!
[ألم تُحرَق مكتبات مصر وسوريا والعراق؟ ألم يُحرَق كل من شكك بما يرويه الديكتاتور وعصابته؟!]
الجواب: بعد مئة سنة، لن نجد من يشكك بهذه الشخصية! وسيولد الأطفال وهم معتنقون دين هذه الشخصية، بعد أن كُتبت عنها الآيات، والأحاديث، والتفاسير الكثيرة! والأهم: بعد أن أُحرقت كل المؤلفات التي كانت توضّح أنها شخصية وهمية! فما بالك بعد ألف سنة؟ أو ألفين؟!
هذه هي قصص أبطالكم وأنبيائكم وآلهتكم أيها السادة!
إذا كانت الأحداث تُحرّف الآن أمام أعيننا، وبدون اعتراض أغلب الناس، ويتم كتابة التاريخ المزوّر في وضح النهار، ولا أحد يجرؤ على الاعتراض — ونحن في عالم التطور — فكيف كان الحال في عصور الجهل والتخلف قبل مئات السنين؟!
كيف يدّعي أغلب الناس أنهم “متعلمين”، وهم لا يزالون يؤمنون بتخاريف تلك الشخصيات البطولية، في حين أن العلم ذاته ينفي وجودها نفيًا قاطعًا؟!
حسبنا شرلوك هولمز ونعم الوكيل!