
منذ أيام وبإحدى الاجتماعات الأممية؛ أي عشرات الناس من بلدان مختلفة، بدأت مرحلة التعريف عن النفس؛ أنا من ألمانيا، أنا من هولندا، أنا من الهند، أنا من الصين …. أنا “كردي” أنا أويغورية؛ يتكلم أحدهم قائلاً: ماذا يعني هذا، لم أفهم؟ ترد الأويغورية: من أطراف الصين، فيعود ويقول: يعني صينية؟ ترد قائلة: لا! أويغورية! فعزمت على إنهاء الجدل قائلاً: يعني أقلية عرقية مسلمة في الصين، تحارب للانفصال، كما فعل المسلمون في الهند حين حاربوا للانفصال عن “الكفار” فقسموا البلاد للهند وباكستان، وكما فعل اليهود في فلسطين التي قسموها لإسرائيل وفلسطين!
من أين حضرتك؟ تسأل رئيسة الاجتماع!
أنا؟ أنا من العالم، من الكرة الأرضية؛ من الكون ومجراته! أنا لا منتمي! أنا وبكل فخر ملحد في الأديان وحدود البلدان وأعرق سكانها!
آها! حسناً، دعني أوضح لك شيئا، تقول السيدة: هنا في ألمانيا يمنع الحديث في كلمة “عرق” لأسباب تعرفها حتما، لذلك نصيحتي لك تجنبها، كي تتجنب الوقوع في المشاكل!
أنا: أي مشاكل؟ كيف تتكلمين حضرتكِ في الأعراق، وتسمحين للبعض أن يتكلموا بها، بينما أنا لا؟!
هل نحن حقاً هنا في اجتماع تابع لمنظمة إنسانية؟
ما هي الانسانية؟!
قلتِ أنك ألمانية، وهذا كاف، فأنا لا أعرف أصلك العرقي ودينك وطائفتك من هذا الجواب، وكذلك الصيني والهندي، تخيلي أن هذا قال أنه من الهند، ولم يقل لنا من أي فئة، لأن إنتماءه للهند وليس للفئة، فالهند فيها عشرات الآلاف من المعتقدات الدينية، وآلاف الأعراق، وأكثر من 1630 لغة! كم هذا جميل؟
لكن هذه الصينية عرفتنا على عرقها ودينها، رغم أن سؤال حضرتك هو: من أين أنت؟! وليس لأي فئة تابع، أو ما هي الفئة التي ورثتها!
هذه تتكلم في الموروث العرقي، ولم تمنعيها!
هذا الذي بجانبي قال أنه كردي!
ماذا يعني كردي؟
قال لنا رداً على سؤالك من أين أنت: أنا كردي! والكرد عرق، فأنا أعرف الآن أنه كردي، لكن من أي بلد؟ هل كلمة كردي تدلنا على الدولة؟
لنسأله مجدداً: من أي “بلد” قادم حضرتك؟
يرد صاحبنا: أنا كردي من روسيا!
روسيا؟ ألم يفاجئك هذا الجواب؟
أنه روسي ورث العرق الكردي، وهو يقول كردي لا روسي، رغم أنه ولد هناك، ووالده وأجداده لمئات السنين مولودين هناك، فتخيلي أن أحفاد أحفادي سيقولون يوماً أنهم بلا بلا بلا – اسم عرقي ولاحقا بلد جدهم الأكبر- ولن يقولوا ألمان!
هذا الشاب الأسمر كلمني قبل دخول القاعة، وأنا أعرف من أين هو بسبب لهجته التي كلمني بها خارجا، وقال لي أنه جديد هنا ولا يتكلم الألمانية … حسناً لنسأله نفس السؤال:
من أين حضرتك؟
Arabisch يجيب صاحبنا!
أنا: هذه كلمة تعني العربية، أي لغة، وهو يقصد “عربي” أي عرق. تابعي: بالعربي: من أي بلد؟ يرد صاحبنا: العراق!
أنا للسيدة: من العراق!
هل سمعتي يوماً عراقي – وحتما مر عليك الكثير بعد حرب العراق – أن قال لك أنا آشوري بدلا من أنا عراقي؟ أو أنا سرياني أو كلداني أو أرمني أوووو؟ لا، فقط العرب!
هذا الشاب مسكين، هكذا ورث وهكذا تعلم، وهو مسكين يتصرف بما تربى عليه، ولا يبدو عليه النازية، لأنه هنا باجتماع إنساني حتى بدون أن يعرف اللغة، فهو يشعر بأن عليه واجب يجب تأديته! ودوركم هنا في إفهامه أنه مخطئ بهذا التعريف، لا السكوت عنه كي يظنه أنه أمر عادي!
تقولون ليل نهار على إعلامكم: الدول العربية! تسمون العرق، تنسبوها للعرق، رغم أنها لم تكن عربية، وحتى اليوم، وبعد الاحتلال العربي والتعريب والتهجير، مازال هناك عشرات الأعراق الأخرى! فكيف تشاركون بهذه النازية العلنية، في حين تعترضون على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقة من قبل ناقد لهذه النازية؟
أنا لا أقول هذا الكلام لكي أظهر بمظهر الثوري وأتباها بقول “الثوري غيفارة” الذي قتل المئات بسلاحه!
أنا فقط إنسان كره البلدان والأعراق والأديان بسبب حروبهم التي أودت بملايين الناس للجحيم!
أنا أقرف ممن يحملون شعارات طوائفهم وأعراقهم وتوجهاتهم السياسية، انظري للنت كم من المخدوعين يفعلون ذلك، كم منهم يرفعون صور مجرمي التاريخ ويفضلونها على صورهم!
أنا وأصدقائي نملك منظمة ثقافية صغيرة، وحين فتحت باب الانتساب للمنظمة، لم أضع خيار البلد ضمن الاستمارة، لأنه لا يهمني من أي بلد ومن أي عرق، لاحقا اضطررت لوضع خيار البلد والعنوان لأننا كنا نعمل على مجلة مطبوعة سيتم إرسالها للمنتسبين، وهنا يجب أن يكون لدينا عنوان البلد والمدينة والمنزل!
عندما تقولون منظمة عالمية، فيجب عليكم العمل على إزالة الحدود بين الدول والناس، لا أن تكرسوها في هكذا تعريفات!
انظروا: أغلب الحيوانات تتعايش فيما بنيها بدون تفرقة؛ انظروا الفيلة والظرافات والغزلان والطيور كيف تتعايش مع بعضها بدون تعدي أحدهم على الآخر، وبنفس الوقت انظروا للحيوانات المفترسة التي لا تتعايش مع أحد وتعمل على تفرقة من تعايشوا مع بعضهم البعض!
هذا هو عالمنا أيضاً، نحن الشعوب يمكن أن نتعايش مع بعضنا البعض بسهولة، ولكن حكوماتكم “الوحوش” وإعلامهم وقوانينهم ومنظماتهم تعمل على تفرقة هذه الشعوب! وهنا نصل للسؤال المطروح منذ زمن: لماذا علي أن أقاتل أناس لا أعرفهم ولا يعرفونني، فقط لأن مجرمي الحاكم بخلاف مع مجرمهم الحاكم؟
اسمحوا لي بالانسحاب … فلساني يسبقني دائما، ولا أستطيع مشاهدة الدمار بدون أن أعري أصحابه!