
فقط في هذا النمط الغريب من المجتمعات، ذاك الذي لا يرى ذاته إلا قطيعًا، ولا يفهم الأمان إلا من خلال نباح الكلب، أو نهيق الحمار، أو قرون المرياع!
مجتمعات تعتقد أنها إن تُركت وشأنها ستضيع…
لذا فهي بحاجة دائمة إلى من يضربها بالعصا، ثم يشكر نفسه لأنه “حماها” من المجهول!
في هذه المجتمعات، يتحوّل الحيوان إلى رمز للقيادة… لا لأن الحيوان تطوّر، بل لأن البشر تخلّوا عن بشريّتهم!
والأدهى؟ أن هذا الكلب، وهذا الحمار، وهذا المرياع، لا يكتفون بأدوارهم في “قيادة” القطيع، بل يبدأون في المنّ عليه بجهودهم المزعومة!
“نحن لا ننام لأجلكم!”
“نحن نسهر على راحتكم!”
“نحن نطوّر طرق الرعي ونبتكر أساليب جديدة للقيادة!”
ثم يظهر من بين القطيع من يصفّق بحرارة، وهو يهتف بانفعال:
“عاش الكلب! ما بينام!”
أو: “الله يخلّي الحمار، طيّب وما قصّر!”
والأسوأ: “المرياع عنده رؤية… بيعرف كيف يمشي فينا!”
يقول مثل روسي شهير:
“حين يقول لك الذئب إنه يحميك من الذئاب… احسب كم من إخوتك قد أكل!”
وأقول بدوري:
حين يطلب كلب الحراسة أن تشكره لأنه سمح لك أن تعيش، فاعلم أنك لم تعد كائنًا حيًّا… بل مجرد رقم في إسطبل!
يزعجكم هذا التشبيه؟!
إذاً تزعجكم حقيقتكم… لا أكثر ولا أقل!
حين يصبح التشبيه بالحيوان أكثر إهانة من الفعل الحيواني ذاته، فهذه علامة على السقوط الأخلاقي الجماعي!
قبل قليل، رأيت الجولاني يتحدث في لقاء متلفز، ويكرّر نفس الأسطوانة المشروخة:
أنه لا ينام من كثرة العمل!
أنه ساهر، منهمك، متفانٍ في الإنجازات!
وأن وسائل الإعلام تتوسله التريث، لأنه بالكاد يُعلن عن إنجاز، حتى يُصدر “تحديثًا” جديدًا على النسخة السابقة من نفس الإنجاز، مع إنجاز إضافي فوقه!
وتابع سيادته قائلاً إنه “يعمل كفلاح لا كرئيس”!
يعني تفضل!
ومن قال لك أصلًا إن الرئيس هو من يضع التاج ويجلس على العرش؟!
الرئيس، في الدول التي تحترم نفسها، موظف عام! خادم للشعب! يُحاسَب على خطأ توقيعه، وعلى نبرة صوته، وعلى لون ربطة عنقه إذا لزم الأمر!
في البلاد التي تفهم معنى الدولة، لا أحد يُصفّق لأنك “لا تنام”… بل يُطالَب بنتائج، يُحاسَب بالأرقام، لا بالادعاءات!
لكن في جمهوريات الغيب والخرافة، الإنجاز أن تبقى حيًّا!
أن لا تُقتل! أن لا تُجلد! أن لا تُغتصب على يد “الثوار” أو “الولاة” أو “قادة التوحيد”!
هل تعرف الفرق بين الحاكم في السويد، والحاكم في دولة العَوْ؟!
الأول لا يُذكر اسمه إلا في التقارير الرسمية! لا يملأ الشاشات، لا يصرخ، لا يقدّس ذاته!
أما الثاني، فيخرج من شاشة إلى أخرى ليبكي تعبَه، ويشرح مظلوميتَه، ويشكر نفسَه لأنه لم ينهَر بعد، رغم أنك لا تملك كهرباء، ولا طحين، ولا دواء!
الرئاسة الحقيقية لا تحتاج إلى منّة!
لا تحتاج إلى استعراضٍ متكرّر!
من يخدم شعبه لا يذكّره بذلك، بل يقدّم النتيجة… بصمت وكفاءة!
لكن في ثقافة القطيع، الكلب يصبح رمزًا للوفاء… حتى لو عضّ!
الحمار يُضرب به المثل في الصبر… حتى لو رفَس ولبّط!
والمرياع يُمنح القيادة… فقط لأنه يعرف كيف يوجّه قرونه في الاتجاه المطلوب!
الحقيقة؟! أنكم لا تزعجكم الأكاذيب…
بل تزعجكم الحقيقة حين تُقال بوضوح، ودون زينة لغوية، ولا لفّ ودوران!
لأنها تضعكم وجهًا لوجه أمام جبنكم، أمام استسلامكم، أمام قناعتكم العميقة بأنكم لا تستحقون أفضل!
فما دامت المعيشة تُحتمل…
وما دام الحمار “يبذل جهده”…
وما دام الكلب “يسهر على أمنكم”…
فأنتم لا تريدون وطنًا!
بل فقط قطيعًا مُنظّمًا! وسجنًا مكيّفًا! ومعتوهًا يتحدث باسم الله، ويشكر نفسه لأنه لا ينام!
على الهامش:
لماذا تُصرّ أيها السوري على أن لا يحكمك إلا معتوه، أو محتل، أو كائن هجين بينهما؟!
من أين تأتي هذه الدونية اللزجة التي تجعلك ترضى بالذلّ، فقط لأن الراية تحمل اسم الدين، أو لون الطائفة، أو عبق القبيلة؟!
ألا يحق لك أن تحلم بحاكمٍ يخدم سوريتك؟ بدلًا من أن تحني رأسك طوعًا أمام معاتيه التاريخ وملالي الخراب؟!