
كلّما هطلت أزمةٌ على هذه البلاد المسكينة، خرج علينا الشعب العظيم كعادته ليعصر دموعه على خدّ الفنّ، وعلى الممثل الفلاني الذي عاد أو اختفى أو نُفي أو مرض أو غيّر موقفه أو خان أو تاب أو بارك أو لعن! كلّ حدث سياسي، اقتصادي، كارثي، يتم استبداله فورًا على منصّات التواصل بسؤال مصيري:
“طيب وشو موقف باسم ياخور؟”
“وسلاف، مع مين وقفت؟!”
“وين نسرين طافش؟ صامتة؟ ليش صامتة؟!”
يا للهول!
أيها الشعب الصامد في حبّ دراماه، أمتك تحتضر على قارعة التاريخ، وأنت ما زلت تناقش قصص باسم ياخور! كأننا في مهرجان كان لا في خنادق المهانة والذلّ والفقر والعتمة!
سوريا اليوم لا يحكمها نظام، ولا دولة، ولا مؤسسات!
يحكمها مهرّبو التاريخ وقادة الميليشيات وباعة الدين على قارعة الحدود التركية!
يحكمها الخوف المتنقل من حاجز إلى حاجز، ومن محكمة شرعية إلى حفلة إعدام في ساحة قرية منسية!
لكن السوري، المواطن، الـ”كادح”، الـ”واعي”، المشبع بالشعارات الثورية والإيموجيز الوطنية، مشغول بإعادة نشر فيديو لسلاف فواخرجي وهي تبكي على التلفزيون! أو مقطع لباسم ياخور يضحك وهو يأكل!
السخرية لا تكفي هنا، ولا الغضب يعبّر! نحن لا نعيش انحطاطًا عابرًا، بل نحن مقيمون فيه منذ عقود! والمصيبة؟ !أننا نرفض الاعتراف!
كلّما تفجّرت أزمة حقيقية تهدّد الأرواح والكرامة، صمت الجميع، وانشغلوا بمن قال ماذا في آخر مقابلة! حتى حين ينهار الدولار، أو تنقطع الكهرباء، أو ترتفع أسعار الخبز إلى عنان السماء، يتساءل الناس: “ليش نسرين ما علّقت؟! ليش قصي خولي ساكت؟!”
وهكذا، تصبح مسؤولية التغيير الاجتماعي والسياسي على عاتق ممثلين لا يعرفون أساسًا إن كانت درعا على حدود الأردن أم على شفا جرفٍ هارٍ من التاريخ!
أيها السوري العزيز،
نحن لا نطلب منك الثورة ولا الفداء!
نطلب منك فقط أن تنضج!
أن تدرك أن الحياة لا تُدار من خلال منصّات الممثلين، ولا تقاس بمواقف من اعتادوا تغيير آرائهم حسب الموسم والإنتاج!
هل حقًّا نريد تحرير سوريا؟!
فلنبدأ بتحرير عقولنا من هذا الوهم الثقافي السائد!
وهم أن فلان الفنان يحمل مفاتيح الحرية، وأن موقفه كفيل بإسقاط الطغاة!
والمضحك…
أنه حين يتورّط هذا الشعب المترهّل في مأساة حقيقية، أو تقطع عنه سبل الحياة، أو يُلقى به في البحر المتوسط، فجأة ينسى باسم وسلاف ونسرين، ويتحوّل إلى ناشط حقوقي يطلب منّا المساعدة، ومن الأمم المتحدة “التدخّل السريع”!
كم تشبهون جلاديكم!
أدمِنتم الممثّل كما أدمن الجلاد الميكروفون!
وكما تفتّت الوطن، تفتّت وعيكم إلى تغريدات وفضائح ومواقف مرتعشة لا تغيّر شيئًا ولا تؤثّر في أحد!
عودوا إلى الصمت!
عودوا إلى نومكم الطويل!
فإن كانت حياتكم لا تعنيكم، فلن تعنينا دموعكم إذا جاء الطوفان!
هذا ليس مقالًا!
هذا شتيمة أخيرة لعقلٍ اختار الانقراض كي لا يتحمّل مسؤولية حاضره!
شتيمة لوطن لم يعد وطنًا، بل مسرحًا مليئًا بالممثلين وجمهور يتصنّع التصفيق بينما تُنهب الخشبة من تحت قدميه!
كلّكم تنتظرون مشهد النهاية…
من دون أن تكتبوا حرفًا واحدًا من السيناريو!
لم تعودوا ضحايا!
أنتم الآن جناة صامتون!
تُعيدون تدوير التفاهة، وتُسقِطون قضاياكم الكبرى على وجوه تافهة، فتمنحونهم حجمًا لا يستحقونه، وتغسلون أيديكم من أي مسؤولية تاريخية!
لكن لا تقلقوا!
ستكون النهاية عظيمة…
مثلما كانت كل نهايات المتفرّجين في التاريخ!