
لم يكن يوماً رجلاً باع مسيحه بثلاثين فضة فقط!
بل كان بداية المرض، لا اسمه! حالة نفسية لا قصة عابرة!
وجه من وجوهنا حين نختار الذلّ ونمنحه غطاءً روحياً، ونقف في صفّ الجلاد لا لأننا نؤمن به، بل لأننا نخاف من أن نُصلَب في المقابل!
في الشرق… كلنا أنجبنا يهوذا!
وأسوأ ما في يهوذا أنه لم يعد فرداً!
لقد صار مؤسسة، مدرسة، ثقافة، طائفة، كنيسة، جامعاً، مزاراً، شعاراً، حزباً!
صار يهوذا نبياً مزيّفاً، وخطيباً مفوّهاً، وقائداً مقدّساً، وأباً روحياً يربّت على أكتاف العبيد!
الخيانة لم تعد فعلاً في الظل، بل خطاباً يُلقى على المنابر!
في كل طائفة نسخة من يهوذا، وفي كل جامع من يوزّع “صكوك الذلّ” باسم الصبر!
وفي كل كنيسة من يُبارك “الركوع للجلّاد” باسم التسليم لإرادة الرب!
وفي كل مأتم من يبكي على الحسين، ثم يسكت عن الحسين الجديد الذي يُذبح كل يوم في شوارع مدينته!
يهوذا يلبس عباءة الفقيه، ويقف عند باب الحاكم ليلعق قدميه!
يهوذا يضع الصليب على صدره، ويوقّع اتفاق الذل مع من قتلوا شعبه بالأمس!
يهوذا يرفع شعارات المقاومة، ثم يقايض كرامة شعبه بكرتونة مساعدات!
“لم يعد الخائن من يقبض فقط، بل من يدفع ليبقى عبداً!”
كم من شيخ أفتى للجوعى أن يصبروا، وهو يتقاضى راتباً بالدولار من دولة لا تصلي؟!
كم من كاهن قال للمظلومين “سامحوا”، ثم صافح قاتلهم بعد القدّاس؟!
كم من مثقّف باع حنجرته، وسمّى ذلك “توازنات المرحلة”؟!
كم من أبٍ علّم ابنه أن يبوس يد الظالم ويقول له: “باركك الرب!”؟!
هكذا صار يهوذا طقساً يومياً، لا فعلاً شاذاً!
صار يُدرَّس في البيوت باسم الطاعة، ويُكرَّس في المدارس باسم الأدب، ويُشرَّع في الخطب باسم الرضا!
حتى صار الخنوع فضيلة، والتمرّد كفراً، والسؤال جريمة!
“حين يُقدَّس الذل، تصبح الخيانة هي الطريق الأسرع إلى الجنة!”
أيها السوري…
لن أقدّم لك تاريخ يهوذا، لأنك ترى مرآته في كل مكان في الخراب المسمى وطن!
لن أحكي عن خيانته، بل عن خوفنا منها، لأننا نمارسها كل يوم!
لأننا نقف في صف يهوذا لا لسبب… سوى أن الثمن أصبح أرخص بكثير من ثلاثين فضة!