اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات أنت لا ترى العالم؛ أنت ترى خوارزميات دماغك!

أنت لا ترى العالم؛ أنت ترى خوارزميات دماغك!

0
أنت لا ترى العالم؛ أنت ترى خوارزميات دماغك!

الجميع باتوا يعلمون ماذا تعني الخوارزميات، وبشرح بسيط: هي تراقب سلوكك واهتماماتك، وتتعلم مما تشاهده وتتفاعل معه، ثم تقدم لك المزيد مما يبدو أنه يجذب انتباهك!

بمعنى آخر، إذا كنت تقضي وقتك في مشاهدة محتوى تافه، فلا تستغرب أن تجد التفاهة في كل مكان! فالخوارزمية لا تملك مشروعاً ثقافياً لإصلاح ذوقك، ولا رسالة أخلاقية للارتقاء بك، إنها ببساطة تحاول إبقاءك أمام الشاشة لأطول وقت ممكن؛ وذلك في تقديم ما يثير اهتمامك!

لكن، ولكي لا نخلط الحابل بالنابل، علينا أن نعرف أن الخوارزميات لا تعرض المحتوى حصراً على المهتمين به، فقد يظهر لك محتوى لا يشبه اهتماماتك إطلاقاً، لكن احتمالية تكراره وتوسّع ظهوره ترتبط إلى حد كبير بتفاعلك معه!

وربما يحدث أن نتوقف نحن، غير المهتمين بهذا الابتذال، أمام بعض تلك المحتويات بدافع الفضول أو الاستغراب، لنرى إلى أي مستوى وصلت التفاهة البشرية!

نقرأ التعليقات، نراقب ردود الأفعال، نبحث عن خلفيات أصحابها، ونحلل طريقة تفكيرهم! وكأننا نجري دراسة ميدانية على البشر، ولكن ليس داخل المختبرات، بل داخل مواقع التواصل “غير” الاجتماعية!

أنا شخصياً لا أشاهد إلا القليل من محتوى “الهش بشك”، ومع ذلك يكفي لإثارة اشمئزازي!

في المقابل، تمتلئ صفحتي الرئيسية بمقالات الفلاسفة، والكتب القيمة، ودراسات علم النفس، لأن هذه هي الموضوعات التي أبحث عنها وأمنحها اهتمامي!

لكن ما أريد الوصول إليه أبعد من الخوارزميات بكثير!

دماغك لديه خوارزميات أيضاً، وإن كانت ليست خوارزميات بالمعنى التقني للكلمة!

تخيل أنك استيقظت صباحاً وأنت مقتنع بأن العالم مكان سيئ، وأن الناس لا يحبونك، وأن الجميع يتآمرون عليك، وأن الحياة لا تمنحك إلا الخيبات!

ماذا سيحدث برأيك؟!

ببساطة ستبدأ بملاحظة كل موقف يؤكد هذه القناعة! ستنتبه إلى الشخص الذي لم يلقِ عليك التحية، وتتذكر من انتقدك، وتفسر تأخر أحدهم في الرد على رسالتك باعتباره تجاهلاً متعمداً، بينما تمر أمام عشرات المواقف الإيجابية دون أن تمنحها الاهتمام نفسه!

ومع الوقت، ستصبح لديك حصيلة ضخمة من الأدلة التي تثبت أن العالم سيئ بالفعل!

لكن هل أصبح العالم سيئاً؟!

أم أنك أصبحت بارعاً في التقاط كل ما يؤكد أنه سيئ؟!

هنا نصل إلى ما يُعرف في علم النفس “بالانحياز التأكيدي”، أي ميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد معتقداته السابقة، وإعطائها أهمية أكبر، مع تجاهل ما يناقضها!

وهناك أيضاً “الانتباه الانتقائي”، حيث لا يلتقط دماغنا كل ما يحدث حولنا بالدرجة نفسها، بل ينتقي ما يراه مهماً وفقاً لاهتماماتنا وتوقعاتنا وحالتنا النفسية!

وهكذا قد يعيش شخصان في الشارع نفسه، وبين الناس أنفسهم، وفي الظروف ذاتها، لكن أحدهما يرى فرصاً وعلاقات ومواقف جميلة، بينما لا يرى الآخر سوى الخيبات والتهديدات والمشكلات!

ليس لأن أحدهما يعيش في عالم مختلف، بل لأن طريقة انتباههما وتفسيرهما لما يحدث مختلفة!

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية!
الفكرة السلبية لا تبقى مجرد فكرة عابرة، بل قد تتحول إلى عدسة نفسية نرى من خلالها كل شيء! والعدسة بدورها تؤثر في مشاعرنا، ومشاعرنا تؤثر في سلوكنا، وسلوكنا قد ينتج مواقف تعزز الفكرة الأولى!

تخيل شخصاً يخاف من رفض الآخرين، فيفسر الصمت على أنه رفض، فينسحب من العلاقات، فيقل تواصله مع الناس، ثم يستنتج أن لا أحد يهتم به!

لقد صنع بنفسه الواقع الذي كان يخشاه!

هذه إحدى صور الحلقة المفرغة التي نراها بوضوح في اضطرابات القلق والهلع، حيث يمكن للخوف من الأعراض أن يزيد مراقبتها، ومراقبتها تزيد الإحساس بها، فيرتفع الخوف مجدداً! وهي آلية سبق أن شرحتها في سياق “دائرة الشيطان”!

لكن الفكرة لا تقتصر على الاضطرابات النفسية، بل تمتد إلى طريقة تعاملنا اليومية مع الحياة!

فالإنسان الذي يبحث باستمرار عن الإهانة سيجد ما يفسره إهانة! والذي يبحث عن الخيانة سيصبح شديد الحساسية لكل تصرف غامض! والذي ينتظر الفشل قد لا يرى الفرص المتاحة أمامه أصلاً!

والعكس صحيح أيضاً، مع ضرورة ألا نخلط التفكير الإيجابي بإنكار الواقع أو تجاهل المشكلات!

فليس المطلوب أن تقنع نفسك بأن الجميع رائعون، أو أن الحياة وردية، بل أن تمنح عقلك فرصة لرؤية الصورة كاملة، لا الجزء الذي اعتاد البحث عنه!

الخلاصة التي أريدك أن تفكر فيها:

الخوارزمية تقدم لك المزيد مما تتفاعل معه، ودماغك يميل إلى ملاحظة المزيد مما اعتدت التفكير فيه والبحث عنه!

فإذا غذّيت الخوارزمية بالتفاهة، ستجد التفاهة تحاصرك!

وإذا غذّيت دماغك بالخوف والشك والتوقعات السلبية، فقد تجد نفسك تعيش داخل عالم يبدو وكأنه مصنوع منها!

لذلك، قبل أن تشتكي من أن مواقع التواصل أصبحت مليئة بالتفاهة، اسأل نفسك: ماذا أتابع؟! وماذا أمنح وقتي؟!

وقبل أن تشتكي من أن الحياة كلها سلبية، اسأل نفسك سؤالاً أصعب: هل أنا أرى الحياة كما هي، أم كما اعتاد دماغي أن يعرضها عليّ؟!

فأحياناً لا نحتاج إلى تغيير العالم بقدر ما نحتاج إلى مراجعة الطريقة التي ننظر بها إليه!

انتبه إلى ما تغذّيه، فقد يتحول غداً إلى العالم الذي تعتقد أنك تعيش فيه!