
هل قالوا لك إن المكتئب هو ذاك الذي يفقد شهيته، ويضطرب نومه، ويبكي بلا سبب، ويعجز عن الذهاب إلى عمله، وتنطفئ عيناه أمام الناس؟!
هذه صورة المرض كما تُرسم في الكتب والعيادات وحتى الأفلام!
لكن ماذا لو قلت لك إن هناك كآبة أخرى، خفية، عميقة عمق البحار، لا يدركها ولا يتحملها إلا قلة من الناس؟!
إنسان يستيقظ باكراً، ويعمل أكثر من الجميع، ويضحك أكثر من الجميع، ويواسي الجميع، ويحفظ مواعيدهم وأعياد ميلادهم! تراه فتقول: ما أقواه وما أسعده! وهو يعلم أن ما تراه ليس وجهه، بل قناع صُنع بإتقان على مدى سنين!
نعم، يضحك ويعمل ويبني العلاقات ويفعل كل ما يفعله الجميع، بل ربما أكثر، ومع ذلك يبقى داخله حزيناً، مليئاً بالحسرات والبكاء والندم، وبذنب دفين على ما لا يعرفه!
ربما لأن كثير من الأرواح العميقة تحتاج إلى أقنعة أكثر من غيرها! فكلما اتسع الداخل زادت الحاجة إلى ستار يحميه من العيون، وكلما كان الجرح أعمق أتقن صاحبه إخفاءه! والخطر أن القناع إذا طال لبسه التصق بالوجه، فينسى الإنسان ما تحته، ويصبح الوجه الذي يعرضه على الناس أكثر حضوراً من وجهه الحقيقي!
فإذا عاد إلى بيته وأغلق الباب سقط القناع، وجلس صامتاً أمام حسرات لا يعرف أسماءها، وندم على أشياء لا يستطيع تحديدها، يبكي أحياناً بلا دمع، وأحياناً بدمع لا يجد له تفسيراً! ثم يفتح عينيه صباحاً ويعيد تركيب القناع، وتبدأ المسرحية من جديد!
لكن لماذا يحدث هذا؟!
ربما لأن الطفل يتعلم باكراً أن قيمته تأتي من أدائه لا من صدقه! فيتعلم أن الحب مكافأة تُنال بالطاعة والتفوق، فيصنع لنفسه ذاتاً ثانية تُرضي الجميع، وتنزل ذاته الحقيقية إلى قبو لا يزوره أحد! ثم يكبر ويركض خلف النجاح، وليس حباً في النجاح، بل هرباً من صوت داخلي يهمس له: أنت لا تكفي! فالإنجاز عنده ليس احتفالاً بل دواء، والانشغال الدائم ليس طموحاً بل مخدّر، وأرقى أشكال الهروب أن تهرب من نفسك داخل الإنتاجية!
وقد يعجز هذا الإنسان عن تسمية ما يشعر به أصلاً! فكل ما يعرفه ثقل في صدره بلا اسم، وغصة بلا عنوان، وتعب لا يشبه تعب الجسد!
وهنا الفرق الجوهري بينه وبين الحزين العادي! فالحزين العادي يعرف ما فقد، فيبكي ميتاً أو حبيباً أو وطناً! أما صاحب هذه الكآبة فقد يكون الميت فيه شيء من نفسه لا يعرفه، فيحزن على غائب مجهول، ويبكي على فقد لا يعرف صورته!
وأما ذلك الذنب الدفين فليس ذنب جريمة ارتكبها! إنه إحساس غامض بأنه لم يعش الحياة التي كان يمكن أن يعيشها، وأن في داخله إنساناً آخر ما زال ينتظر دوره، وأنه أجّله عاماً بعد عام حتى كاد ينسى اسمه! فهو ندم على الحياة المؤجلة وليس على الأفعال، ولهذا لا يجد صاحبه سبباً يشير إليه بإصبعه!
والسؤال هنا لماذا لا يشكو؟!
غالباً لأن الناس لن يصدقوه! فأي حق لمن يضحك وينجز ويتماسك أن يقول إنه حزين؟! بل إن أخطر اليأس أن يعيش المرء يائساً وهو لا يعلم، يظن أن ما به مجرد طبع أو تعب أو قدر! وأصدق الضحك أحياناً ما كان أقرب إلى البكاء، فاحذر الضحكة التي تقولها لتنقذ بها لحظتك وهي تحمل في جوفها دمعة! فمجتمعنا لا يمنح الحزن شهادة إلا لمن انهار، وهكذا يتحول تماسك المرء إلى سجنه، وتتحول كفاءته إلى حجاب يخفي جرحه عن العيون!
إنها كآبة لا تشبه ما تعرّفه الكتب! لا تستأذن ولا تعلن عن نفسها، وإنما تعمل في الخلفية كجهاز يستهلك البطارية بصمت، حتى يأتي يوم يتوقف فيه كل شيء فجأة، فيتساءل الناس: كيف حدث هذا ولم يكن يبدو عليه شيء؟!
فإن كنت أنت هذا الإنسان، فاعلم أنك لست ضعيفاً ولا ناكراً للنعمة ولا مبالغاً! أنت تحمل ثقلاً حقيقياً، والاعتراف به ليس هزيمة، بل هو أول الشفاء! انزع القناع ولو أمام شخص واحد يسمع بلا حكم! فمن يحمل البحر في صدره لا يليق به أن يتظاهر بأنه ساقية!