اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات احذر من أن تبقى حذراً!

احذر من أن تبقى حذراً!

0
احذر من أن تبقى حذراً!

أينما ذهبتَ وأينما نظرتَ، يقال لك على شكل نصائح سوق الجمعة: احذر!

احذر من أهلك وجيرانك!
احذر من حارتك ومن الدين الآخر والطائفة الأخرى!
احذر من القانون ومن مخالفته، ومن الأعراف والتقاليد والعادات!
احذر من صديقك!
احذر من طعامك وشرابك!
احذر من الزواج!
احذر من المرأة؛ واحذري من الرجل!
احذر، ثم احذر، ثم احذروا!

لكن لحظة؛ ماذا لو توقفتَ عن الحذر ليوم واحد؟!
ماذا لو اكتشفتَ أن السماء لم تسقط، وأن جارك لم يشهر سكينه، وأن الأرض ما زالت تحملك رغم أنك لم تتحقق من متانتها؟!

الحذر في أصله حارسٌ أمين!
هو الصوت الذي أنقذ أجدادنا من الأفعى في العشب ومن الوحش في العتمة! لكنّ الحارس الذي لا ينام ولا يُسرَّح من الخدمة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى سجّان!
يبدأ بحراسة الباب، ثم يمنعك من الخروج، ثم يقنعك بأن الخارج كله عدو! والأدهى أنك لا تتذكر متى وقّعتَ على عقد السجن!

والمأساة أن جهازك العصبي لا يملك فاحصاً يفرّق بين الأسد الحقيقي والأسد المرسوم على الجدار!
إذا قيل له إن جارك خطر، استجاب كأن الجار يقف أمامه بسكين!
وإذا قيل له إن الغريب مصدر شر، شدّ عضلاتك وأسرع نبضك وأيقظ فيك ذلك الإنذار القديم!
وهكذا تعيش سنوات طويلة في حالة طوارئ، في حرب لا يراها أحد سواك!

ومن أين جاء كل هذا الحذر؟!
لو فتّشتَ في أرشيفك الشخصي بصدق، لوجدتَ أن أغلبه لم يولد من تجربتك أنت!
إنه إرثٌ مُلقَّن، سلّمك إياه أبوك عن جدّك، وشحنه المنبر والشاشة والمجلس بالخوف! ثم جاءك مشاهير الصدفة من سوق الخميس والجمعة ليغرقوا فضاءنا بالتحذيرات!
أنت تخشى أبواباً لم تطرقها قط، وتحذر وجوهاً لم تجالسها يوماً!
فهل تعيش حياتك أنت، أم تنفّذ وصايا موتى خافوا قبلك، وتحذيرات أحياء يتاجرون بخوفك؟!

وهنا السؤال الذي يتجنبه الجميع: ما الذي تحميه بالضبط بكل هذا الحذر؟!
أتحمي جسداً يتنفس، أم حياةً تُعاش؟!
فالمكان الوحيد الآمن تماماً على وجه الأرض هو القبر! لا خطر فيه ولا جار ولا طعام فاسد ولا صديق يخون! ومن جعل الأمان غايته القصوى فقد اختار، دون أن يدري، أن يبدأ موته مبكراً وأن يسدّده بالتقسيط، يوماً بعد يوم، وخوفاً بعد خوف!

والأقسى أن ثمن هذا الحذر صامت! لا أحد يرسل إليك فاتورة بالصداقات التي لم تبدأ، ولا بالفرص التي مرّت من أمام نافذتك وأنت تتحقق من القفل للمرة الألف، ولا بالثقة التي لم تمنحها لأحد فذبلت في صدرك! أنت تحاسب نفسك على الأخطاء التي ارتكبتها، فمن يحاسبك على الحياة التي لم تعشها؟!

لا أدعوك إلى السذاجة!
فمن يمشي على حافة الهاوية دون انتباه لا يسمّى شجاعاً بل غافلاً!
لكن بين الحذر من الخطر الفعلي والحذر من كل شيء مسافةً تتسع فيها الحياة كلها!
الأول بوصلة، والثاني قيدٌ على شكل بوصلة!

فاسأل نفسك عند كل خوف يمرّ بك: هل هذا الحذر لي أم وُضع فيّ؟!
هل صنعته تجربتي أم ورثته من ضجيج الآخرين؟!
إن كان لك فأصغِ إليه واحترمه! وإن كان قد وُضع فيك فضعه عن كتفيك بهدوء، وتنفّس، ودع جهازك العصبي يتعلّم أخيراً أن العالم ليس كله كميناً!

ربما أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يقع في الخطر، بل أن يقضي عمره كله يهرب منه، ثم يكتشف في النهاية أنه كان يهرب من الحياة نفسها!

فاحذر من الخطر، نعم!
لكن احذر أكثر من أن يتحول حذرك إلى سجن، وأن تصبح أنت السجّان والسجين في الوقت نفسه!

لأن الإنسان قد ينجو من كل شيء… ثم يكتشف أنه نجا من الحياة!