اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية المقالات حين يُقال لمريض إن مرضه كله برأسه! (سلسلة: حين يخطئ التشخيص!)

حين يُقال لمريض إن مرضه كله برأسه! (سلسلة: حين يخطئ التشخيص!)

0
حين يُقال لمريض إن مرضه كله برأسه! (سلسلة: حين يخطئ التشخيص!)

تخيّلوا إنساناً يشعر بألم حقيقي في مفاصله كل صباح، وإرهاقاً يسحب منه القدرة على أبسط حركة، وطفحاً جلدياً يظهر فجأة ثم يختفي وكأنه لم يكن!
يذهب إلى طبيب فلا يجد جواباً، فيذهب إلى ثانٍ، ثم ثالث، وفي كل مرة يعود بيديه فارغتين، لكن بشيء إضافي يثقل كاهله أكثر من الألم نفسه؛ شعور خفي بأنه ربما يبالغ، أو يتخيل، أو أن جسده يكذب عليه! وفي لحظة ما، بعد أشهر أو سنوات من هذا الطواف المرهق بين العيادات، يسمع الجملة التي تغيّر كل شيء، ليس لأنها تشخيص، بل لأنها حكم: أعتقد أن الأمر كله نفسي!

هذه الجملة، بريئة كما تبدو في فم من يقولها، تحمل في داخلها شيئاً أعمق من مجرد رأي طبي؛ إنها قد تقول للمريض، من دون أن تنطق بذلك صراحة: أنا لا أجد تفسيراً جسدياً لما يحدث لك، ولذلك أعتقد أن التفسير موجود في رأسك!

والمشكلة أن هذا الانتقال من “لا نعرف السبب بعد” إلى “نعرف أن السبب نفسي” قد يحدث أحياناً بسرعة أكبر مما ينبغي، خصوصاً عندما تكون الأعراض غامضة، متفرقة، أو لا تظهر بسهولة في الفحوص المعتادة!

وهذا ليس تخميناً أدبياً! دراسة قادتها جامعة كامبريدج ونُشرت في مجلة Rheumatology عام 2025، شملت أكثر من 3000 مريض في دراستين كبيرتين من المصابين بأمراض الروماتيزم المناعية الجهازية، مثل الذئبة الحمراء والتهاب الأوعية وأمراض مناعية أخرى، إضافة إلى مقابلات معمقة مع مرضى وأطباء، وجدت أن المرضى الذين أبلغوا عن تعرضهم سابقاً لتشخيص نفسي أو “نفسجسدي” خاطئ كانت لديهم مستويات أعلى من الاكتئاب والقلق، ورفاه نفسي أقل، وثقة أقل بالرعاية الطبية!
والأكثر قسوة أن أكثر من 80% منهم قالوا إن تلك التجربة أضرت بتقديرهم لذواتهم، بينما قال 72% إن التشخيص الخاطئ ظل يزعجهم حتى بعد مرور سنوات، وفي بعض الحالات عقود!

وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد تأخر في اكتشاف مرض! لأن الطبيب قد يخطئ في التشخيص مرة، وهذا جزء مؤلم لكنه مفهوم من حدود الطب، لكن عندما يُقال للإنسان إن ما يشعر به موجود في رأسه، فقد يبدأ هو نفسه بالتشكيك بجسده!
يبدأ بالتفكير: ربما أنا حساس أكثر من اللازم، ربما أتخيل الألم، ربما أنا ضعيف، ربما المشكلة في شخصيتي! وهكذا يتحول المريض تدريجياً من شخص يبحث عن تفسير لما يحدث له إلى شخص يبحث عن تفسير لسبب عدم تصديق الآخرين له!

والمشكلة أن الألم لا يحمل بطاقة تعريف تقول من أين أتى! فالتعب لا يخبرك إن كان سببه إرهاقاً نفسياً أم التهاباً أو مرضاً مناعياً! والمفصل الذي يؤلم لا يُعلن هل هو صدى لضغط نفسي، أم نتيجة عملية التهابية تهاجم أنسجته من الداخل! والطفح الجلدي لا يكتب على نفسه إن كان عابراً أم جزءاً من مرض جهازي أكثر تعقيداً! الأعراض تخبرنا بما يحدث، لكنها لا تخبرنا دائماً لماذا يحدث! وهنا يصبح الطبيب أمام مفترق طرق حقيقي؛ إما أن يواصل البحث رغم الغموض، أو أن يستريح عند أقرب تفسير متاح، وأحياناً يكون التفسير النفسي هو الأقرب لأن الفحوص لم تعطِ جواباً بعد!

وينبغي أن يُقال بإنصاف هنا إن أغلب هؤلاء الأطباء لا يقصدون الأذى إطلاقاً! الدراسة نفسها تشير إلى أن بعض الأطباء كانوا يحاولون طمأنة مرضاهم عندما لم يجدوا تفسيراً واضحاً للأعراض، ولم يكونوا يدركون أن عبارة مثل “الأمر نفسي” قد تصل إلى المريض بطريقة مختلفة تماماً عما قصدوه! بالنسبة إلى الطبيب قد تكون محاولة لخفض الخوف، أما بالنسبة إلى إنسان يتألم كل يوم فقد تتحول إلى رسالة أخرى تماماً: “نحن لا نصدقك”!

والأخطر أن التشخيص النفسي قد يكون أحياناً صحيحاً جزئياً، وهذا تحديداً ما يجعل المسألة أكثر تعقيداً! فالمريض قد يعاني فعلاً من القلق أو الاكتئاب، وقد يكون بحاجة إلى علاج نفسي أو دوائي حقيقي، لكن وجود القلق لا يعني بالضرورة أن القلق هو أصل كل شيء!
أحياناً يكون الإنسان قلقاً لأنه يتألم، مكتئباً لأنه عاجز عن فهم ما يحدث له، منهكاً لأنه يعيش سنوات من الأعراض بلا تفسير!
وفي بعض الحالات قد يكون المرض الجسدي والاضطراب النفسي موجودين معاً، لا أحدهما وهماً والآخر حقيقة! ولهذا فإن الخطأ ليس في الاعتراف بأن النفس تؤثر في الجسد، فهذا أمر حقيقي، وإنما في استخدام هذا الاعتراف كإجابة نهائية تمنعنا من البحث عن بقية القصة!

وهنا تكمن المفارقة القاسية؛ التشخيص الذي كان من المفترض أن يخفف عن المريض قد يصبح هو نفسه جزءاً من معاناته! لأن الدراسة وجدت أن بعض المرضى بعد هذه التجارب أصبحوا أكثر ميلاً إلى عدم الإبلاغ عن أعراضهم أو تجنب طلب الرعاية الطبية، بسبب فقدان الثقة والخوف من أن يُعاد تفسير أعراضهم بالطريقة نفسها مرة أخرى! أي أن الضرر لم يكن نفسياً فقط؛ لقد أصبح قادراً على تغيير علاقة الإنسان بجسده وبالطب وبفكرة طلب المساعدة نفسها!

فهل المطلوب أن نتوقف عن التفكير بالأسباب النفسية كلياً؟! أبداً!
فالقلق والاكتئاب حقيقيان تماماً، ويستحقان علاجاً جاداً سواء كانا سبباً أو نتيجة أو جزءاً من الصورة! لكن المطلوب هو ألا يتحول التفسير النفسي إلى جدار نهائي يُغلق خلفه كل بحث آخر، خصوصاً عندما تستمر الأعراض الجسدية أو تتطور أو تظهر علامات جديدة لا يفسرها التشخيص السابق!
لأن عبارة “لا نجد سبباً جسدياً الآن” شيء، وعبارة “لا يوجد سبب جسدي” شيء آخر تماماً!

وربما تكون واحدة من أخطر الجمل في الطب ليست: “لا أعرف”، بل الجملة التي تأتي بعدها عندما يتحول عدم المعرفة إلى يقين زائف: “إذن لا بد أن يكون الأمر في رأسك”!
لأن الطبيب الذي يقول “لا أعرف بعد، فلنبحث أكثر” لا يكون قد فشل في التشخيص، بل يكون قد اعترف بأكثر الأشياء مهنية في الطب: أن الجسد أحياناً يعرف شيئاً قبل أن تعرفه الفحوص!

ولهذا فإن السؤال الحقيقي هنا ليس: هل هذا المريض يتألم فعلاً؟!
بل: هل بحثنا بما يكفي قبل أن نقرر أن الألم لا سبب جسدياً له؟!