
قد يكون هذا العنوان، بالنسبة إلى الكثير من العرب، أكثر استفزازاً من أي شتيمة! لأن المشكلة ليست في كلمة “ألماني”، بل في السؤال الذي تقذفه هذه الكلمة في وجوههم: ماذا أعطاكم وطنكم، وماذا أعطتني ألمانيا؟!
الوعي يبدأ عندما تفهم أن الوطن ليس حفنة تراب ولدت فوقها بالصدفة، ولا جواز سفر ورثته عن أبيك، ولا لهجة تتحدث بها لأن أمك علمتك إياها!
الوطن، في معناه الأعمق، هو المكان الذي تستطيع فيه أن تكون إنساناً دون أن تضطر إلى الاعتذار عن وجودك، هو المكان الذي يحمي حريتك، ويصون كرامتك، ويعطيك فرصة لأن تصنع شيئاً من حياتك! ولهذا كانت ألمانيا وطني قبل أن تصبح ألمانيا في جواز سفري، وقبل أكثر من عقدين وجدت هنا ما كنت أبحث عنه: فرصة!
فرصة للتعلم، وفرصة للعمل، وفرصة للامتلاك، وفرصة لأن أبني حياتي دون أن يسألني أحد عن قبيلتي أو طائفتي أو عائلتي أو أصلي قبل أن يسألني ماذا أستطيع أن أفعل!
لم تقل لي ألمانيا: كن ألمانياً في دمك، بل قالت لي شيئاً أكثر عدلاً: احترم القانون، اعمل، تعلّم، وتحمل مسؤولية نفسك!
ففعلت! تعلمت عندهم ومنهم، عشت بينهم، احترمت عاداتهم، فهمت طريقة تفكيرهم، احترمت القانون، وأصبحت أرى نفسي جزءاً من هذا المجتمع!
ولم أحتج يوماً إلى أن أمد يدي لأحد! لم آخذ يوماً مساعدات اجتماعية، ليس لأنني أرى في المحتاج إنساناً أقل قيمة، بل لأنني ببساطة لم يكن هذا هو الحلم الذي جئت من أجله! كان حلمي أكبر بكثير من أن أعيش على ما تقدمه الدولة، أكبر من الأكل والشرب والنوم حتى الظهيرة، ثم أقضي بقية اليوم في انتظار الدفعة التالية!
كنت أريد أن أتعلم، وأن أعمل، وأن أبني، وأن أملك، وأن أكون مستقلاً، وأن أترك شيئاً خلفي! ولذلك اخترت التعلم ثم العمل، واخترت أن أعتمد على نفسي، لأنني لم آتِ إلى الحياة لأبحث عن الحد الأدنى من العيش، بل جئت لأصنع الحد الأقصى الممكن من حياتي!
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية!
أنا لا أكره ألمانيا، أنا أحبها إلى درجة تجعلني أرفض أن أراها تتغير إلى شيء لا يشبهها! وهذا هو الفرق بين المواطن الذي يحب وطنه، والمنافق الذي يحب صورة وطنه فقط! من يحب وطنه لا يصفق له وهو يسقط، ومن يحب وطنه لا يحول النقد إلى خيانة، ومن يحب وطنه لا يخاف من تسمية الخطأ خطأ!
ألمانيا التي عرفناها كانت رمزاً للعمل والانضباط والإنتاج والدقة! “صنع في ألمانيا” لم تكن مجرد عبارة على قطعة صناعية، كانت فلسفة، وكانت إعلاناً للعالم بأن هناك مجتمعاً يؤمن بأن الأشياء يجب أن تُصنع بإتقان! لكن كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها المنتج محاصراً بالضرائب، والمستثمر خائفاً من البيروقراطية، والشركات تغلق أو تنقل أعمالها، والعامل يعمل أكثر ليحتفظ بأقل؟!
كيف تحول البلد الذي كان يعلم العالم معنى الصناعة إلى بلد يناقش كل يوم كيف يمنع المزيد من الشركات من الرحيل؟! وكيف أصبح المواطن الذي دفع طوال حياته ضرائبه مطالباً دائماً بالمزيد من التضحية، بينما يُطلب منه في الوقت نفسه أن يصفق لكل قرار سياسي حتى لا يُتهم بأنه عنصري أو متطرف؟!
هذه ليست ديمقراطية! الديمقراطية ليست أن تقول للمواطن: ادفع واصمت! الديمقراطية أن تقول له: ادفع، ثم اسأل، وانتقد، واحتج، وغيّر!
ثم جاءت قضية الهجرة واللجوء، وهنا أصبح النقاش أكثر جنوناً!
أنا لا أكره المهاجر، ولا أكره اللاجئ، ولا أرى في الإنسان عدواً لمجرد أنه ولد في مكان آخر! فأنا كما يعلم الجميع، كنت في الصفوف الأولى لإستقبال اللاجئين والتطوع مع كل الجهات التي تقدم المساعدات والرعاية لهم!
لكنني أرفض فكرة أكثر خطورة من العنصرية نفسها: أن يصبح التعاطف مع الإنسان إلغاءً لحقوق المواطن!
أرفض أن يتحول القانون إلى شيء مرن عندما يتعلق الأمر بالمهاجر، وصلباً عندما يتعلق بالمواطن!
أرفض أن يصبح ارتكاب الجريمة مسألة “سياق اجتماعي” عندما يرتكبها أجنبي، بينما يتحول المواطن إلى وحش إذا ارتكب الجريمة نفسها!
المجرم مجرم! السارق سارق! القاتل قاتل! الإرهابي إرهابي! ولا جواز السفر يغير طبيعة الجريمة! ومن يريد أن يعيش في ألمانيا ويحترم قوانينها ويعمل ويبني حياته، فأنا أول من يقول له: أهلاً بك!
أما من يأتي إلى بلد استقبله، ثم يحتقر قوانينه، ويستغل نظامه، ويرفض مجتمعه، ويمارس الجريمة، ثم يطلب من أصحاب البلد أن يصمتوا خوفاً من أن يقال عنهم عنصريون، فهنا يصبح الصمت نفسه نوعاً من الجنون!
ثم يحدث شيء أكثر إثارة للسخرية! حين تنتقد، يأتيك أحدهم فوراً: على أساس أنت ألماني؟!
نعم! أنا ألماني! وماذا في ذلك؟!
هل الجنسية الألمانية تصبح أقل قيمة لأنني لم أولد بها؟! هل الحب للوطن يحتاج شهادة ميلاد؟! هل يجب أن أعتذر لأن ألمانيا منحتني ما لم يمنحني إياه المكان الذي ولدت فيه؟!
أنا لا أقول إن ألمانيا كاملة! لا يوجد وطن كامل! لكن هناك فرقاً هائلاً بين وطن فيه أخطاء، ووطن لا يسمح لك أصلاً بأن تنتقد أخطاءه! وهنا تحديداً يصبح السؤال فلسفياً: هل الوطن هو المكان الذي تنتمي إليه بالدم، أم المكان الذي يعترف بإنسانيتك؟! أنا اخترت الثاني! ولهذا لا أحتاج إلى أن أكره بلداً آخر حتى أحب ألمانيا، ولا أحتاج إلى اختراع مؤامرة غربية حتى أفسر فشل مجتمعاتنا!
وهذه ربما أكثر نقطة تزعج البعض! لأن الإنسان يستطيع أن يعيش بلا كرامة، لكنه لا يستطيع أن يعترف بسهولة بأنه عاش بلا كرامة! لذلك يبحث دائماً عن عدو: الأمريكي، الأوروبي، اليهودي، الغرب، الاستعمار، المؤامرة! كل شيء يصلح، بشرط ألا ينظر إلى المرآة!
لكن المرآة قاسية! وحين تنظرون إليها، لا تسألوا فقط من قصف مدنكم! اسألوا أيضاً: من حول الاختلاف إلى كراهية؟! من جعل الطائفة عدواً؟! من جعل الدين سلاحاً؟! من أقنع الإنسان بأن المختلف عنه يستحق الموت؟! من جعل رجل الدين قادراً على تحريك آلاف الجهلة بفتوى؟! ومن حمل السلاح وذهب ليقتل جاره؟!
ولأن البعض يحب أن يختصر التاريخ في جملة واحدة ويلقي المسؤولية كلها على الغرب، فلنذكر شيئاً لا يحب كثيرون سماعه! نعم، دول غربية شاركت في حروب وصراعات وسياسات كارثية، ونعم، هناك مصالح وسلاح وتجارة ونفوذ، لكن هذا لا يلغي مسؤولية من أشعل النار من الداخل، ولا مسؤولية من حوّل الخلاف السياسي إلى حرب أهلية، ولا مسؤولية من حوّل الطائفة إلى هوية قتالية!
وإذا أردتم الحديث عن المال الذي غذى الصراعات، فلا تتصرفوا وكأن كل شيء حدث في فراغ! قطر والسعودية كانتا في صدارة المشهد الإقليمي في دعم وتمويل أطراف مختلفة خلال سنوات الصراع السوري، وهناك تقارير وشهادات كثيرة تناولت هذا الدور، بل إن قطر نفسها تحدثت في أكثر من مناسبة عن دعمها بعشرات المليارات للصراع في سوريا، وتركيا سهّلت دخول كل إرهابي في العالم لسوريا! لكن حتى هنا، لا أريد أن أمارس لعبة الكذب نفسها وأقول إن دولة واحدة صنعت كل شيء! التاريخ أعقد من ذلك! هناك أنظمة عربية، وقوى إقليمية، وقوى دولية، وفصائل مسلحة، وجماعات دينية، ومصالح اقتصادية وسياسية، وكل طرف حمل جزءاً من المسؤولية!
لكن الشيء الذي لن أقبله هو أن يأتي شخص ارتكب مجتمعه أخطاءً كارثية، ثم يقف أمامي في ألمانيا ليقول إن كل شيء سببه المواطن الألماني! لا! المواطن الألماني ليس هو الذي مزق مجتمعك طائفياً! وليس هو الذي حمل السكين ليذبح جاره! وليس هو الذي أصدر الفتوى! وليس هو الذي موّل المقاتلين! وليس هو الذي اختار أن يحول الدين إلى مشروع دموي! وليس هو الذي خرج من بيته ليقتل المختلف عنه!
الغرب يمكن أن يحاسب على أخطائه، والسياسي الألماني يمكن أن يحاسب على أخطائه، والحكومة الألمانية يمكن أن تحاسب على أخطائها، لكن لا تجعلوا المواطن الألماني شماعة تغطون بها عجزكم عن مواجهة أنفسكم!
هذه حيلة نفسية رخيصة! أن ترتكب الجريمة، ثم تبحث عن مذنب بعيد كي لا تضطر إلى مواجهة نفسك!
والأكثر إثارة للشفقة هو التناقض بين الشعارات والممارسة!
مثلاً: النظافة من الإيمان!
حسناً، فلنرَ النظافة في الأماكن العامة التي تجلسون بها وتتركون خلفكم أكواماً من الزبالة!
الإسلام دين السلام!
حسناً، فلنرَ السلام عندما يكون المختلف دينياً أو فكرياً أو اجتماعياً أمامكم!
يا غريب كن أديباً!
حسناً، فلنرَ الأدب عندما تدخلون بلداً لم تولدوا فيه!
الشعارات لا تهمني! السلوك هو الحقيقة الوحيدة! يمكنك أن تعلق ألف لافتة عن الأخلاق على جدارك، ثم تمزقها أولما تخرج إلى الشارع! ويمكنك أن تتحدث ألف ساعة عن السلام، ثم تبرر القتل عندما يكون القاتل من جماعتك! ويمكنك أن تتحدث عن كرامة الإنسان، ثم تفرح عندما يُقتل المختلف عنك! عندها تصبح الأخلاق مجرد ديكور!
وأنا لا أريد ديكوراً! أريد مجتمعاً يحاسب الإنسان على أفعاله، لا على الشعار الذي يرفعه!
ولهذا أقول للمهاجر المحترم: أنا معك! وأقول للمواطن الألماني: من حقك أن تكون غاضباً! وأقول للمجرم: لا يهمني من أين أتيت! وأقول للسياسي: لا تستخدم خوف الناس من تهمة العنصرية لإخفاء فشلك! وأقول للمتطرف: لن تحصل على حصانة لأنك ترتدي ثوب الدين! وأقول لمن يستغل المساعدات: المال الذي تراه “حقاً” هو في النهاية مال دفعه إنسان يعمل ويستيقظ صباحاً ويدفع الضرائب وأنا من بينهم!
لا أحد يكرهك لأنك محتاج! لكن لا أحد ملزم بأن يمول كسلك إلى الأبد!
وهنا أصل إلى الشيء الذي يرفض كثيرون سماعه: من حق الألماني أن يقول: كفى! من حقه أن يريد حدوداً! من حقه أن يريد أمناً! من حقه أن يريد دولة قوية! من حقه أن يريد أن يعرف أين تذهب ضرائبه! من حقه أن يعترض على الهجرة! ومن حقه أن يطالب بتغيير قوانين الجنسية والهجرة، ما دام يفعل ذلك عبر الوسائل الديمقراطية!
هذه ليست عنصرية! هذه هي السياسة! ومن لا يستطيع تحمل الرأي السياسي المختلف، لا يفهم الديمقراطية أصلاً!
أما أنا، فإذا تغيرت القوانين يوماً ووصل أقصى اليمين للسلطة وطُبّق شعار “الصالح بالطالح” وحتى لو سُحبت جنسيتي، فسأبقى أقول الحقيقة! لأنني لم أحب ألمانيا مقابل الجنسية! أحببتها قبل الجنسية! والفرق بين الاثنين هائل! الجنسية ورقة، أما الانتماء الحقيقي فهو موقف أخلاقي!
ولهذا لن أكتب هذا الكلام لأمسح الجوخ لأحد! ولو كنت أبحث عن التصفيق، لكتبت بالألمانية ما يرضي الألمان، ولقلت للعرب ما يريدون سماعه، ولصفقت لكل طرف كي أربح الجميع! لكنني لا أريد أن أربح الجميع! أنا أريد أن أقول ما أراه!
وقد يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يفهمه القطيع طوال تاريخه: الإنسان الحر لا يعيش ليحصل على تصفيق الآخرين، بل يعيش كي لا يضطر إلى التصفيق للكذب!
فأنا ألماني! نعم! وأفتخر! لا لأن ألمانيا أعطتني جنسية، بل لأنها أعطتني شيئاً أعظم بكثير: أعطتني الحق في أن أقول “لا”!
أعطتني الحق في أن أختلف، وأعطتني الحق في أن أنتقد، وأعطتني الحق في أن أعمل وأبني وأمتلك، وأعطتني الحق، حتى وأنا أقول هذا الكلام، أن أهاجم الحكومة وأنتقد المجتمع وأرفض سياسات الدولة دون أن يأتي أحد ليقرر لي ما الذي يجب أن أفكر فيه!
وهنا المفارقة التي لن يفهمها من تربى على تقديس الجماعة: أنا لا أحب ألمانيا لأنها طلبت مني أن أكون عبداً لها! أنا أحبها لأنها لم تطلب ذلك!
ولهذا، إذا كان ثمن الانتماء أن أكذب، فلست مستعداً! وإذا كان ثمن المواطنة أن أصمت، فلست مستعداً! وإذا كان ثمن قبول الآخرين لي أن أخون قناعتي، فلست مستعداً!
فأنا لم أترك عقلاً مقيداً لأحصل على جواز سفر جديد! أنا جئت إلى بلد علمني أن الإنسان لا يُقاس بمكان ولادته، بل بما يفعله بحياته!
ولهذا سأقولها مرة أخيرة، وبلا تبرير وبلا اعتذار: نعم، أنا ألماني! وأفتخر! ومن يزعجه ذلك، فليحل مشكلته معي كما يشاء! لكن لا تطلب مني أن أخجل من البلد الذي علمني ألا أخجل من نفسي!
وأما أنت، الذي جئت إلى ألمانيا ثم احتقرت قوانينها، واستغلت كرمها، وهاجمت مجتمعها، وبررت الجريمة، ثم وقفت أمامي تسألني بسخرية: على أساس أنت ألماني؟!
فسؤالك خاطئ من الأساس!
السؤال الحقيقي ليس: هل أنت ألماني؟!
السؤال الذي يجب أن تسأله لنفسك هو: ماذا فعلت أنت بالوطن الذي استقبلك؟!
وهنا، قبل أن تبحث عن الإجابة، أنصحك أن تنظر طويلاً في المرآة!
فقد يكون أول عدو هربت منه طوال حياتك… كان واقفاً أمامك منذ البداية!
أما أنا، فسأبقى أقولها بلا خوف:
أنا ألماني!
لأنني لم أرث هذا الانتماء من الدم، بل بنيته بالسنوات والعمل والاحترام والحياة!
ولذلك لن أعتذر عن حبي لبلد أعطاني الحرية!
ولن أسمح لأحد أن يحول كرمي إلى ضعف، أو ديمقراطيتي إلى انتحار، أو إنسانيتي إلى خضوع!
فالوطن الذي أعطاك حق الحياة الكريمة، يستحق منك أن تدافع عنه!
وأحياناً، أقسى أشكال الدفاع عن الوطن… أن تقول الحقيقة عنه وعن الذين يريدون تغييره، حتى لو كرهك الجميع بسببها!