
ثمة مكر خفي يسكن اللغة، لا يراه إلا من أمعن النظر في طبيعة الإنسان وعلاقته بذاته!
فاللغة لم تتطور دائماً لتقول الحقيقة، بل تطوّرت أحياناً لتُجمّلها، أو تُخفيها، أو تُعيد تشكيلها على صورة تُريحنا!
لكن ثمة ما هو أعمق من مجرد إعادة التسمية؛ ثمة معادلة ظالمة يكتشفها كل من أبى أن يلعب اللعبة: أنك حين ترفض المصطلح الزائف، لا تخسر فقط الجدال، بل تخسر القبول، والانتماء، وأحياناً السلام!
الإنسان الذي يرى الأشياء بأسمائها الحقيقية يجد نفسه في مفارقة مؤلمة: كلما ازداد وضوحاً، ازداد وحدةً!
وكلما اقترب من الحقيقة، ابتعد عمّن يعيشون على الوهم!
وحين يقترب من تلك المجموعات التي بنت هويتها على المصطلحات المزيّفة، فهو خاسر بكل المقاييس، لا لأنه مخطئ، بل لأنه يتكلم لغة مختلفة في بلد لا يعترف بها!
فمثلاً الكثير من قلة الأخلاق والسوقية والسفالة يسمّيها أصحابها بالحرية والجرأة!
وحين تقترب منهم ستُتّهم بالتزمّت إن رفضت، وستدفع ثمن انحلالهم إن قبلت!
الكثير من التطرف يسمّيه أصحابه بالتديّن!
وحين تقترب منهم ستُتّهم بالضلال إن خالفت، وستفقد عقلك إن وافقت!
الكثير من الكذب يسمّيه أصحابه بالسرية والكتمان!
وحين تقترب منهم لن تعرف أبداً أين تنتهي السرية وأين يبدأ ما يُخفونه عنك أنت تحديداً!
الكثير من الغدر يسمّيه أصحابه براحة البال!
وحين تقترب منهم ستكتشف أن راحتهم تلك تُبنى دائماً على حساب من وثق بهم، وقد تكون أنت القادم!
الكثير من المزاجية يسمّيها أصحابها بالحرية الشخصية!
وحين تقترب منهم ستُحاسَب على كل ثبات، وتُعاقَب على كل توقع معقول!
الكثير من الكسل يسمّيه أصحابه بالتوازن!
وحين تقترب منهم ستجد نفسك تحمل ما يجب أن يحملوه، بينما يصفون راحتهم بالحكمة!
الكثير من الجبن يسمّيه أصحابه بالحكمة والتعقّل!
وحين تقترب منهم لن تجد من يقف إلى جانبك حين تحتاج، وستسمع لاحقاً أن تخليهم عنك كان الموقف الأصح!
الكثير من الغباء يسمّيه أصحابه بالبساطة والعفوية!
وحين تقترب منهم ستُعقَّد حياتك بجهلهم، وستُتّهم بالتعالي حين تحاول أن تفكّر!
الكثير من الأنانية يسمّيها أصحابها بحب الذات!
وحين تقترب منهم ستُستنزف حتى آخر ما فيك، ثم يصفون تعبك بأنك لم تكن تفهم قيمة نفسك!
الكثير من الحقد يسمّيه أصحابه بالمبدئية!
وحين تقترب منهم ستكتشف أن مبادئهم تتشكّل دائماً وفق من يكرهون، لا وفق ما يؤمنون!
الكثير من التبعية يسمّيها أصحابها بالانتماء!
وحين تقترب منهم سيُطالبونك بأن تتوقف عن التفكير بصوت عالٍ، وسيُسمّون صمتك وفاءً!
الكثير من التدخل يسمّيه أصحابه بالاهتمام!
وحين تقترب منهم لن تملك حدوداً، ولن يُسمح لك بامتلاكها، وستُتّهم بالجفاء حين تطالب بها!
الكثير من الغرور يسمّيه أصحابه بالثقة بالنفس!
وحين تقترب منهم ستجد أن المساحة الوحيدة المتاحة هي أن تُعجب، لا أن تكون!
الكثير من الهروب يسمّيه أصحابه بالتحرر!
وحين تقترب منهم ستتحمّل وحدك تبعات ما هربوا منه، وسيصفون غيابهم بأنه صحة نفسية!
الكثير من التملّق يسمّيه أصحابه بالذكاء الاجتماعي!
وحين تقترب منهم لن تعرف أبداً ما يقولونه عنك حين تغادر الغرفة!
الكثير من الخواء الداخلي يسمّيه أصحابه بالبحث عن المعنى!
وحين تقترب منهم سيستهلكونك وقوداً لرحلتهم، ثم يرحلون حين تنضب!
الكثير من العدوانية يسمّيها أصحابها بالصراحة!
وحين تقترب منهم ستكون أنت دائماً من لا يتقبّل النقد، وهم دائماً من يجرؤ على قول الحقيقة!
الكثير من ضعف الشخصية يسمّيه أصحابه بالمرونة!
وحين تقترب منهم ستكتشف أن مرونتهم تعني أنهم يتشكّلون وفق كل ريح، وسيتشكّلون يوماً ضدك!
الكثير من الهراء يسمّيه أصحابه برأي!
وحين تقترب منهم ستُتّهم بضيق الأفق إن لم تُصفّق، وستُجرّ إلى متاهة لا قرار لها إن صفّقت!
الكثير من الحزن المفرط يسمّيه أصحابه بالعمق والحساسية!
وحين تقترب منهم ستتحول إلى معالج مجاني لجروح لا تريد أن تبرأ، وستُتّهم بالقسوة حين تنصحهم بالنهوض!
الكثير من الفوضى يسمّيها أصحابها بالإبداع!
وحين تقترب منهم ستدفع أنت ثمن تنظيم ما أفسدوه، وسيصفون انزعاجك بأنك لا تفهم طبيعة العقول المبدعة!
الكثير من التسطّح يسمّيه أصحابه بالواقعية!
وحين تقترب منهم سيُقلّصون أحلامك لتتناسب مع سقف رؤيتهم، وسيسمّون ذلك نصيحة!
الكثير من الحسد يسمّيه أصحابه بالنقد البنّاء!
وحين تقترب منهم ستجد أن نجاحك يستفزّهم قبل أن يُسعدهم، وأن تشجيعهم لك يتوقف تماماً حين تتجاوز مستواهم!
الكثير من الخوف من المسؤولية يسمّيه أصحابه بالتروّي والتأني!
وحين تقترب منهم ستنتظر معهم قراراً لا يأتي، وستحمل وحدك تبعة الوقت الضائع!
الكثير من الاستغلال يسمّيه أصحابه بالاعتماد المتبادل!
وحين تقترب منهم ستكتشف أن التبادل يسير في اتجاه واحد فقط، وأن التوازن كلمة لا تعني لهم شيئاً! فهم يرون ما قدموه، لكنهم لا يرون ما قُدّم لهم!
الكثير من التناقض يسمّيه أصحابه بتعدد الأبعاد والتعقيد!
وحين تقترب منهم لن تستطيع الوثوق بموقف ثابت، ولن تعرف أي نسخة منهم ستواجه غداً!
الكثير من البكاء على الماضي يسمّيه أصحابه بالوفاء والأصالة!
وحين تقترب منهم ستعيش في زمنين في آنٍ واحد، وسيسحبونك للخلف كلما حاولت أن تمشي!
الكثير من الضجيج الفارغ يسمّيه أصحابه بالحضور والكاريزما!
وحين تقترب منهم ستكتشف أن الصوت العالي يملأ المكان لكنه لا يقول شيئاً، وأن الإعجاب بهم يشترط أن تتوقف عن الإنصات!
وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي لا يتحدث عنها أحد:
أنت خاسر حين تبتعد، وخاسر حين تقترب!
حين تبتعد، يقولون: متكبّر، منعزل، لا يعرف كيف يتعامل مع الناس! وستتلقى الكثير والكثير من الطعنات في ظهرك؛ رغم أنهم من حملة شعار: النهايات أخلاق!
وحين تقترب، يستهلكونك، يُشوّهونك، يُعيدون تعريفك بمصطلحاتهم حتى تنسى من كنت!
الإنسان الذي يرى الأشياء بأسمائها الحقيقية يعيش في مكان وسط لا يُريحه أحد: هو يعرف أكثر مما يجب، ويصمت أكثر مما ينبغي، ويتألم بصمت لأن ألمه لا يملك مصطلحاً زائفاً يختبئ خلفه!
بينما الآخرون يرتاحون في أوهامهم المُسمّاة بعناية، هو يحمل وضوحه كعبء ثقيل في عالم يُكافئ من يُحسن التمثيل ويُعاقب من يُحسن الرؤية!
ربما كان سقراط يعرف هذا جيداً حين اختار الصمت أمام محاكميه لحظة، قبل أن يتكلم!
لم يصمت خوفاً، بل لأنه أدرك أن من يحاكمونه لا يتكلمون لغته، وأن الحقيقة في فم من لا يُريد سماعها تصبح تهمة!
الإنسان الواضح في عالم مبني على الغموض المُزخرف يُشبه من يحمل مصباحاً في سوق يعمل في الظلام: الجميع يرى ما يحمل، ولا أحد يشكره، بل ربما آذاه الضوء!
لكن، وهنا يكمن القرار الأصعب والأنبل في آنٍ واحد:
هل تُطفئ مصباحك لتُريحهم، أم تحمله وتقبل الثمن؟!
الإجابة لا تُقال، بل تُعاش!
وكل إنسان يعيشها وحده، في لحظة خاصة جداً، بينه وبين ما تبقّى من صدقه مع نفسه!
لأن الخسارة الوحيدة الحقيقية، ليست أن يخسرك الناس.. بل أن تخسر نفسك وأنت تحاول أن تكسبهم!
أجمل ما قيل على الإطلاق: من ثمارهم تعرفونهم!