اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات رحمةٌ انتقائية؛ حين يتحوّل الضمير إلى مسرحٍ متنقّل!

رحمةٌ انتقائية؛ حين يتحوّل الضمير إلى مسرحٍ متنقّل!

0
رحمةٌ انتقائية؛ حين يتحوّل الضمير إلى مسرحٍ متنقّل!

ليست المشكلة في اللغة حين تتحدّث عن الرحمة، بل في الألسنة التي تنطق بها فجأة بعد أن أنهكتها تبريرات الدم!

ما انفجر أمامنا لم يكن وعيًا أخلاقيًا متأخرًا، بل عرضًا مسرحيًا رديئًا لضميرٍ اعتاد تبديل الأقنعة حسب اتجاه الريح!

السؤال الحقيقي لم يكن يومًا عن الأطفال والنساء، ولا عن مبدأ التأهيل الذي لا يختلف عليه اثنان، بل عن هذا التحوّل الفجّ في الخطاب، هذا الانقلاب السريع من تبرير الإبادة إلى ادّعاء الإنسانية!

عندما نشرتُ صورة لمنشور يتعاطف مع مخلفات الدواعش، وفي ذات المنشور تعليق يؤيده ويدعو صراحة لإبادة “الأقليات”، جاءني السؤال كأنه بريء: ما الخطأ في إعادة تأهيل نساء داعش وأطفالهن؟!

سؤال يبدو إنسانيًا في شكله، لكنه في جوهره مراوغة أخلاقية فاضحة، تهرب من لبّ الفضيحة إلى هامشٍ آمن!

لم أكن أتحدث عن التأهيل أصلًا، ولم أجادل يومًا في حق الأطفال والنساء بالحياة والكرامة والحماية!

كنت أتحدث عن أولئك الذين لم يجف حبر تعليقاتهم الداعية لإبادة العلويين والدروز والشيعة والأكراد، ثم قرروا فجأة ارتداء عباءة الإنسانية وكأن شيئًا لم يكن!

هؤلاء أنفسهم الذين برروا قتل العلوي لأن رأس النظام كان علويًا، ثم أعادوا تبرير قتله لأن بعض شبيحة النظام كانوا علويين، في قفزٍ مقصود فوق حقيقة أن ماكينة القتل والتصفيق امتلأت بسنّة موثقين بالصوت والصورة، من شيوخ وعشائر و”فزعات” أقسمت الولاء للأسد حتى آخر برميل!

العلوي عندهم يُقتل لأنه علوي، لا لأنه مجرم!

والدرزي يُباد لأنه “هجري بالضرورة خائن”، لا لأنه ارتكب فعلًا، بل لأن الهوية وحدها جريمة كافية في مخيالهم المريض!

هذه ليست زلات لسان عابرة، ولا انفعالات لحظية، بل بنية فكرية متماسكة، عنيفة، ثابتة في جوهرها، متلوّنة فقط في خطابها!

تغيّر الكلمات، وتبقى العقيدة كما هي، مهووسة بالإقصاء، مهووسة بالتطهير، مهووسة بفكرة الجماعة النقية التي لا وجود لها إلا في رؤوسهم!

الحقيقة التي يهربون منها، ويخشون الاعتراف بها، أنهم لم يكونوا يومًا ضد داعش كفكرة!

كل ما في الأمر أنهم اختلفوا معها على الاسم، وعلى الإدارة، وعلى من يحتكر الحق الإلهي في الذبح!

داعش لم تكن شذوذًا عن هذا العقل الجمعي، بل ذروته الأكثر صراحة ووقاحة!

ولهذا السبب لم نسمع يومًا تكفيرًا واضحًا، صريحًا، غير ملتبس، من مؤسسة دينية كبرى، من الأزهر إلى آخر زاوية وعظ!

بل على العكس، خرج شيوخهم الأشهر، كالعَرعور وأمثاله، ليقولوا علنًا إن “الدواعش إخواننا”، والفيديوهات ما زالت موجودة، شاهدة، لا تحتاج تأويلًا ولا ترقيعًا!

المشهد ذاته انسحب على الإعلام والوعّاظ الرسميين!

هاجموا فكر مخيم الهول وداعشياته عندما كان ذلك يخدم سردية “الإصلاح ومحاربة التطرف بقيادة بن سلمان” في لحظة سياسية محددة!

ثم انقلبوا فجأة، لا لأن الفكر تغيّر، بل لأن موقع المصلحة تغيّر!

الرحمة هنا لم تكن قيمة إنسانية، بل أداة سياسية، تُستخدم وتُرمى، حسب الطلب!

نعم، لا تُؤخذ النساء والأطفال بجريرة غيرهم، وهذا مبدأ إنساني بديهي لا يحتاج محاضرات ولا دموعًا مصطنعة!

لكن تحويل هذا المبدأ إلى ستار لإنكار الخطر القائم، وتبييض فكر لم يمت ولم يُهزم، هو خيانة للإنسان قبل أن يكون دفاعًا عنه!

العدالة ليست عاطفة!

والإنسانية ليست عمىً متعمّدًا ولا تعطيلًا للعقل!

من يرفض رؤية هذا التناقض البنيوي، لا يحمي المجتمع، ولا يحمي الأقليات العددية التي ترفض الداعشية وتدفع ثمنها!

بل يفتح الباب واسعًا لعودتها، باسم أخلاق منزوعة المسؤولية، وباسم رحمة بلا ذاكرة!

وهكذا تُعاد الكارثة، لا لأن الشر قوي، بل لأن الكذب كان أريح من المواجهة!

المأساة الحقيقية ليست في وجود فكر إجرامي، بل في هذا الإصرار المرضي على تلميعه كلما غيّر جلده!

الرحمة التي لا تواجه الجذور ليست رحمة، بل تواطؤ مؤجل!

ومن يكذب على نفسه، ويسمّي التواطؤ إنسانية، لا يصنع مستقبلًا، بل يحجز مقعدًا في المذبحة القادمة!