
لسنا شعوبًا فقيرة بالحظ، بل غنية بالانتظار!
ننتظر الفرج، ننتظر التغيير، ننتظر المخلّص، وكأن الزمن مدين لنا بشيء لم نعمل لأجله!
تحوّل الانتظار من لحظة عابرة إلى ثقافة، ومن ظرف مؤقت إلى هوية كاملة تُورَّث كما يُورَّث العجز!
وهذا النص ليس دعوة للأمل، بل محاولة لفضح هذا الانتظار حين يصبح أسلوب حياة يقتل الفعل ويقدّس الشلل!
هذا ليس انتظارًا عابرًا، ولا صبرًا نبيلًا كما تحبّون تسميته، بل فراغ يُربّى منذ الطفولة، ويُغذّى بالخرافة، ويُقدَّس حتى يصير أسلوب حياة كامل الأركان!
انتظار بلا هدف، بلا خطة، بلا فعل، انتظار يلتهم العمر ثم يطلب الشفقة على ما التهمه بنفسه!
ليس انتظارًا للفرج، بل تدريب طويل على الشلل، على تعليق الفشل على شماعة الغيب، وعلى تربية عقل يتقن التبرير أكثر مما يتقن التفكير!
كل شيء مؤجَّل، كل شيء مرهون، كل شيء معلّق على حدث غامض لن يأتي، لأن من ينتظر لا يصنع، ومن لا يصنع لا يستحق أن يأتيه شيء!
المخلّص الذي تنتظرونه ليس كائنًا أسطوريًا، بل آلية نفسية رخيصة، اخترعتموها لتناموا براحة، وتبرّروا الكسل، وتجمّلوا الخضوع بلغة دينية أو وطنية أو أخلاقية كاذبة!
المخلّص فكرة الكسالى، وحلم العاجزين، وملجأ من يخاف أن يعترف أنه لا يريد أن يدفع ثمن التغيير!
آباؤكم انتظروا، وأجدادكم انتظروا، وانتظروا حتى ماتوا وهم يردّدون الجملة ذاتها: الفرج قريب!
ماذا كانت النتيجة؟!
سلالة كاملة تتقن الانتظار أكثر مما تتقن الفعل، وتحفظ وعود السماء أكثر مما تفهم قوانين الأرض!
لم يورّثوكم خلاصًا، بل ورّثوكم فقر الخيال، والخوف من المبادرة، وعبادة الزمن الضائع، وتقديس العجز كأنه قدر مقدّس!
جُرِّبت معكم اللغة الناعمة فلم تتحرّكوا، لأنكم لا تحبّون الكلام الذي يحمّلكم مسؤولية!
جُرِّبت الصدمة فلم تستيقظوا، لأن النوم العميق أريح من مواجهة الذات!
جُرِّبت المطرقة النيتشوية، فانكسر الحجر، وبقيت العقول محنّطة، تخاف من الحرية أكثر مما تخاف من القيد!
الصراخ لم يعد مجديًا، لأن من اختار الصمم لا يسمع، حتى لو انهار السقف فوق رأسه!
والتحفيز فشل، ليس لأنه ضعيف، بل لأنكم لا تريدون الدافع، تريدون المخدّر، تريدون جرعة وهم يومية تبرّر البقاء في القاع مع شعور زائف بالتفوّق الأخلاقي!
المشكلة ليست في غياب الأمل، بل في عشق الانتظار ذاته!
في تحويل العجز إلى هوية، واللاحركة إلى فضيلة، والكسل إلى حكمة مزعومة!
في مجتمع يتقن الشكوى ويكره الحل، يحفظ الشعارات ويخاف من الفعل، ويصفّق للهبل لأنه لا يطلب ثمنًا!
الهبل ينتشر لأنه مريح، لأنه لا يحتاج شجاعة، ولا مسؤولية، ولا تضحية، بل يحتاج زر إعجاب وصوت تصفيق أعمى!
أما الفعل، فيطلب ثمنًا قاسيًا:
قطع حبل السرة مع الماضي، كسر الأصنام التي تسكن الرأس، تحمّل نتائج القرار، والوقوف عاريًا أمام المرآة دون أعذار!
من لا يريد أن ينهض سيبقى ينتظر!
ومن ينتظر طويلًا لا يموت فقط… بل يتعفّن واقفًا!