
ما نسميه حزنًا أو خوفًا أو ألمًا أو أنانية أو فوضى أو لاأخلاقية ليس مجرد حالات شخصية عابرة، بل منظومات نفسية معدية، تنتقل بين البشر كما تنتقل الأوبئة، بهدوء خبيث ودون استئذان!
هي حالات تُغرس في اللاوعي الجمعي، تتسلل عبر الكلام، السلوك، الصمت، ونبرة الصوت، وتحوّل المجتمع تدريجيًا إلى مساحة مُشبعة بالتوتر والعداء والإنهاك!
علم النفس الاجتماعي يوضح لنا حقيقة صادمة: الإنسان يتأثر بمزاج من حوله أكثر مما يتأثر بقناعاته العقلية!
العقل قد يعرف، لكن النفس تقلّد!
ولهذا نرى الخوف ينتشر أسرع من الحقيقة، والحزن أحيانًا أكثر إقناعًا من الأمل، والفوضى أكثر إغراءً من النظام!
هذه العدوى الأولى لا تميّز بين ضحية وأخرى، ولا تحترم مستوى وعي أو ثقافة!
قد تُصيب المثقف كما تُصيب الجاهل، القوي كما تُنهك الضعيف، لأنها تعمل في المنطقة الرمادية من النفس، حيث التعب، القلق، واللاجدوى!
ومع الوقت، يتحوّل المجتمع إلى غرفة انتظار طويلة للألم، يعيش الناس فيها على ردّ الفعل لا على الفعل، وعلى النجاة لا على الحياة!
في المقابل، هناك عدوى أخرى، غالبًا ما نستخفّ بها: الفرح، الشجاعة، الصحة النفسية، الإنسانية، الانضباط، والأخلاق!
هذه ليست شعارات مثالية ولا أوهام وعظية، بل قوى نفسية مثبتة علميًا، لها قدرة هائلة على إعادة ترميم الفرد والمجتمع من الداخل!
الإنسان السليم نفسيًا لا يعيش وحده، بل يُشعّ!
حضوره يخفف التوتر، كلمته تُعيد التوازن، وسلوكه يخلق معيارًا غير معلن لما هو ممكن وما هو إنساني!
وهنا تكمن خطورة هذه العدوى الإيجابية: أنها تفضح الرداءة دون صراخ، وتُربك الفوضى دون عنف!
علم النفس يؤكد أن السلوك الأخلاقي معدٍ، تمامًا كما أن السلوك المنحرف معدٍ!
الانضباط ينتشر، كما تنتشر الفوضى!
الاحترام يُستنسخ، كما يُستنسخ العنف!
والإنسان، شئنا أم أبينا، كائن يتشكّل داخل بيئة، لا خارجها!
من هنا نصل إلى جوهر المسألة التي لا يمكن الهروب منها: البيئة المحيطة بنا ليست خلفية محايدة، بل قوة تشكيل يومية!
نحن لا نكبر وحدنا، ولا ننكسر وحدنا، ولا نمرض وحدنا!
نحن نتأثر بالهواء النفسي الذي نتنفسه، بالكلمات التي نسمعها، بالقيم السائدة، وبما يُكافَأ وما يُعاقَب عليه اجتماعيًا!
الإنسان ليس جزيرة معزولة، ولا عقلًا حرًا مطلقًا كما نحب أن نعتقد!
هو كائن هشّ، مرن، وقابل للتشكّل، يمرض إذا فسد المحيط، ويتعافى إذا صَلُح!
لهذا، السؤال الحقيقي ليس: لماذا العالم مريض؟!
بل: أي عدوى أساهم أنا في نشرها؟!
أنت في النهاية من يختار:
إمّا أن تكون ناقلًا للحزن والخوف والخراب، حتى لو كنت ضحية لها!
أو أن تكون مصدرًا للاتزان والإنسانية، حتى لو كان الثمن أعلى!
تختار كلماتك، طريقة اعتراضك، شكل غضبك، وعمق صمتك!
تختار إن كنت ستكون جزءًا من الضجيج، أم مساحة أمان في عالم مختنق!
فالبيئة ليست قدرًا أعمى، بل مسؤولية واعية، تبدأ من الفرد وتنتشر بلا حدود!
ولذلك، نعم… أنت من تختار!