
حين يُستفَزّ الوجدان الطائفي في الإنسان، تتعطّل ملكات التفكير، وتُدفن الحقيقة في ركام الروايات التي تُشبِع الغرور الجماعي! هذه ليست مجرّد ملاحظة اجتماعية عابرة، بل آلية نفسية معقّدة، ترسّخت عبر قرون من التنشئة، وتم توارثها كجزء من “العقل الجمعي” الذي صاغه كارل يونغ، وأعادت دراسته علوم السلوك المعاصرة تحت مسميات متعددة، منها:
الانحياز التأكيدي الجماعي (Collective Confirmation Bias)، والانتماء الدفاعي (Defensive Identity Attachment)، والانجذاب إلى السرديات المريحة (Narrative Seduction).
ما الذي يحدث نفسيًا حين يتعاطف الإنسان مع رواية طائفية؟!
عندما يسمع الفرد رواية عن معاناة جماعته، يُفعَّل أولاً “الجهاز الحوفي” (Limbic System) في الدماغ، وهو المسؤول عن الانفعالات، لا المنطق! في تلك اللحظة، لا يعود الفرد يطلب “الحقيقة” بقدر ما يطلب “الانتماء”!
يشعر بالخوف، بالغضب، بالعار الجماعي، بالتهديد، فينطلق بشكل لاواعي إلى آليات دفاعية:
- الإسقاط (Projection): يحمّل الطرف الآخر كل الشرور التي لا يريد الاعتراف بها داخل جماعته!
- الإنكار (Denial): يرفض تصديق أن جماعته ارتكبت جرمًا، حتى لو كانت الأدلة صارخة!
- الانقسام (Splitting): يصنّف العالم إلى “نحن الطيبون” و”هم الأشرار”، لأن التعقيد يرهقه، ويهدّد هويّته الهشّة!
في علم النفس الاجتماعي، يُعرف هذا التماهي بـ”الهوية الدفاعية الجمعية” (Defensive Collective Identity)، وهي الحالة التي يُفضل فيها الإنسان أن يصدّق الكذب الذي يمنحه الشعور بالانتماء، على أن يواجه الحقيقة التي تهدد صورته عن نفسه وجماعته!
لماذا الرواية الطائفية جذّابة نفسيًا؟!
لأنها تقوم على أربع وظائف نفسية خطيرة:
- تبسيط الواقع المعقد: فهي تحوّل صراعًا سياسيًا أو اجتماعيًا إلى قصة أبيض/أسود! لا مكان فيها للتفاصيل ولا للتاريخ ولا للسياق!
- تعزيز الهوية عبر العدو: العدو الطائفي ليس مجرد خصم، بل هو ضرورة لوجود الجماعة! بدونه، لا تشعر الجماعة بذاتها!
- تهدئة الشعور بالذنب الجمعي: بدل أن تواجه الجماعة جرائمها، تختبئ وراء فكرة “نحن الضحايا دائمًا”، وكأنها تصدر شهادة براءة أبدية!
- تغذية النرجسية الجمعية: “نحن الأتقى، الأشرف، الأطهر”… تلك أوهام الهوية التي تصنع طغاة باسم الضحية!
انتبه!
حين تعانق الرواية الطائفية مشاعرك، احذر… فقد تختنق الحقيقة خلف دموعك!
الألم الصادق لا يمنحك الحق في دفن الحقيقة… بل يلزمك بشجاعة البحث عنها، حتى لو وجدتَها في عيون “الخصم”!
من العراق إلى لبنان… إلى سوريا!
- في العراق، ما زالت الجماعات تفسر التفجيرات والقتل على الهوية كلٌّ بطريقته، رغم أن الضحايا والجلادين تغيّروا! رواية كل طائفة تُختزل في أنها ضحية، وتنسى – عن قصد – ما فعلته ميليشياتها!
- في لبنان، حفلات الشتم والتخوين تبدأ فورًا بعد كل اغتيال أو فتنة! الجميع يعلم الرواية مسبقًا، قبل أي تحقيق… لأن الولاء يغني عن الأدلة!
- في سوريا، الانقسام وصل إلى أن القتيل يُبكي إذا كان “من طائفتنا”، ويُشكّك بإنسانيته إن كان من الطائفة الأخرى، رغم أن الدم واحد، والرصاصة لا تفرّق بين المذاهب!
لماذا تنجح الرواية الطائفية في كسب التعاطف؟!
- لأنها تمنح هوية جاهزة: الفرد لا يحتاج أن يفكر أو يحلل، يكفي أن ينتمي… والطائفة تُجيب عنه: أنت منّا، إذًا أنت على حق!
- لأنها تخفّف من الذنب الجماعي: “نحن مظلومون، نحن مستهدفون”، إذًا كل عنف نقوم به هو “دفاع مشروع”!
- لأنها تُغذّي الشعور بالبطولة الزائفة: “نحن نقاوم”، حتى لو كنا نقتل… وحتى لو كان الطرف الآخر أعزل!
- لأنها تخلق خريطة عاطفية بديلاً عن الواقع: فيها الخوف، وفيها الفخر، وفيها دموع الجماعة التي تُغني عن التفكير!
كيف نفكّك هذه الآلية النفسية؟!
- الوعي النقدي: اسأل دومًا: من كتب هذه الرواية؟ ما هدفها؟ من المستفيد من غياب الحقيقة؟ هل الرواية كاملة… أم مختارة بعناية لتصنع وحشًا وهميًا؟!
- التقمص الوجداني العكسي (Reversed Empathy): تخيّل لو كنت مكان الآخر الطائفي! ماذا لو كان الحق معه؟ هل كنت ستقبله؟!
- رفض الاصطفاف الأعمى: لا تجعل من الولادة الطائفية بطاقة هوية أبدية! الولادة لا تمنحك فضيلة… التفكير هو ما يمنحك إنسانية!
- تأمّل في ألم “الآخر” لا في بطولات جماعتك: قد تكون الجماعة التي تسميها عدوًا… تبكي نفس الجرح الذي تبكيه، لكن من مكان آخر!
في الختام…
حين تذرف دمعةً على الضحية لأنّها من طائفتك، وتصمت عن مجزرةٍ ارتكبها من يشبهك… فاعلم أنك لا تحب العدالة، بل تحب صورتك في مرآة الجماعة!
الضمير الحقيقي لا يسأل عن الطائفة، بل عن الحقيقة!
والمؤمن بالحق، هو من يجرؤ على خيانة الرواية الجماعية… حين تكون كاذبة!
ضعها حلقة في أذنك:
من يرى الظلم حين يُصيب جماعته فقط… لا يرى، بل يتحزّب!
ومن يتعاطف مع القاتل لأنه “من أهله”… يخون أهله والحق معًا!