
أجل، هكذا يموت الكبار فعلًا، لا في ضوء الكاميرات، بل في ظلّ الخذلان!
رحل زياد الرحباني، لا لأنه “هرِم”، بل لأن هذا العالم لم يعد جديرًا بنكتة واحدة من نكاته، ولا بألمٍ من آلامه التي سكبها على البيانو كما يسكب النبي نبوءاته الأخيرة!
لكنّ الأشد قسوة من الموت، هو هذا المشهد الجنائزي المليء بالتمثيل الرديء:
صفوف من الوجوه التي لم تكن تطيق اسم زياد حيًّا، تتسابق اليوم لنشر صورته، وتكتب أسفلها عبارات من نوع: فقدنا الضمير، خسرنا صوت الحق، مات الثائر الجميل!
حين يبكي المنافق على الثائر… عليك أن تفتش عن الجريمة التي يحاول أن يغطيها بالدموع!
هؤلاء الذين تباروا في نشر أغاني السوق الرخيص، وتلميع الأصوات النشاز التي خرّبت الذائقة العربية، صاروا فجأة عشّاقًا للرحباني!
هل يبكي زياد الآن، أم يضحك؟!
لو نهض من قبره، لصرخ فيهم كما في إحدى مسرحياته:
شو هل مسرحية يا جماعة؟! أنا ما كتبتها!
منذ متى كان عشّاق “التيك توك” الذين يرقصون على إيقاع الرداءة، رهبانًا في معبد زياد؟!
منذ متى صار من يروّج لنجوم الدعارة الفنية، ويصفهم بـ”أيقونات الجيل”، يكتب اليوم: خسرنا المعنى؟!
إن من لم يفهم من زياد عبارة “بما إنو الوضع العربي متدهور…” لا يحق له أن يلبس اليوم ثوب الحداد، لأن بعض الدموع ليست وفاءً… بل مكياج أخلاقي يغسل وجه القبح!
ليس كل من بكى زياد يحبّه، بعضهم يبكي فقط ليظهر بمظهر النبيل، لا ليصمت أمام الحقيقة!
لم يكن زياد مجرد موسيقي، بل كاشف أقنعة بامتياز!
رجل رفض التصفيق لخطابات الزعماء، وسخر من “مؤتمرات القمم” بصوت أعلى من قذيفة!
كتب مسرحيات لا تضحكك فقط، بل تُجلدك على المسرح، تخلع عنك أوهام الوطنية والدين والطائفة والحبّ معًا!
هو من قال:
الدين ما خصّه، الإنسان هو الزبّال!
وفي بلدٍ تغنّى بالأنبياء أكثر من البشر، كان زياد الوحيد الذي آمن بالإنسان المهزوم دون قشرة قداسة!
غنّى لفلسطين دون أن يتورط في كذب المقاومة المزيفة، وغنّى للجنوب دون أن يخلط بينه وبين أمراء الطوائف!
وحين كتب عن الحبّ، لم يكتب بلغة “بحبّك للصبح”، بل بلغة مَن يعرف أن العشق في هذا الشرق هو ترف لا يملكه الفقراء الذين ليسوا “حبايب الله”!
واليوم من يبكيه؟!
أولئك الذين عاشوا على فتات “السوشال ميديا”، واعتبروا النجاح هو الوصول إلى “الترند” ولو على جثة المعنى!
هم أنفسهم الآن يتاجرون بجثة زياد، ويحوّلونه إلى ملصق، إلى كليشيه، إلى بكائية كاذبة!
في عصر التزييف، يُسرق الموت كما سُرقت الحياة… ويُغنّى لزياد ممن لا يفرّقون بين المرفأ والمرقص!
هل تعرف الفرق بين الرحبانية الثورية التي فضحت الدولة والطائفة، والرحبانية السياحية التي أصبحت “صورة تذكارية مع السفير”؟!
زياد كان الأولى، بينما هؤلاء يمثّلون الثانية بامتياز!
كان زياد يكتب ليفضح، وهم ينشرون فنه ليستروا عوراتهم!
ومن أكثر من يمدح زياد اليوم؟!
أولئك الذين لم يتحمّلوا نكتة سياسية واحدة، ووشوا بأصدقائهم في أول مخفر!
موته ليس مأساة؛ المأساة أن من قتل صوته حيًّا، أصبح اليوم الناعي الرسمي له!
زياد لا يحتاج نعيًا، ولا تمثالًا من رخام، ولا مهرجانًا باسمه…
بل يحتاج من يفهم أن الفن موقف، وأن الموسيقى لا تُعزف للرقص فقط، بل تُطلق كالرصاص حين يعجز الرصاص عن قول الحقيقة!
فليصمتوا قليلًا…
وليدعوا هذا النبي المتعب، الثائر العنيد، المقهور النبيل، يرحل دون أن يرافقه قطيع الكذب!
وداعًا زياد… لقد متّ قبل أن تموت!
اغتالتك الرداءة حيًّا، وها هي الآن تسرق حتى جنازتك!
كفى نفاقًا!