
في لحظة ما، لم يَعُد الدين هو من يُمارس الوصاية…
بل تسلّلت الطائفة إلى مساحات العقل، واختبأت خلف شعارات “العدل” و”التمثيل” و”الوعي الجمعي”، وصارت هي الضمير، وهي القاضي، وهي الوكيل الحصري للألم والرحمة والذنب!
وهكذا… انقلبت العدالة إلى تهمة! وتحول الضحية إلى مشروع خيانة طائفي!
كما كان المتدين يُفرَض عليه أن يحزن وفق تعليمات الشريعة، صار الفرد في بعض المجتمعات اليوم مطالبًا بأن يغضب وفق معايير الطائفة!
من حقك أن تبكي… لكن على ضحاياك فقط!
من حقك أن تصرخ… شرط ألا يُفهم صراخك أنه ضد أبناء طائفتك!
ومن حقك أن تُدين القتل… ولكن إن فعلها “الآخر”، لا إن فعلها ابن البيت نفسه!
وهكذا، باسم “الوعي الثوري”، يعود المرض نفسه… ولكن بثياب جديدة!
المرض الذي كان يرتدي عباءة الشريعة، صار الآن يلبس وشاح الوطنية…
لكنه يظل المرض ذاته: قمع النفس، وتزييف الضمير، وشيطنة الفرد الذي يخرج عن إجماع القطيع!
من الدين إلى الطائفة: آليات دفاع لا تموت!
كنتُ قد حللتُ في بعض فصول كتابي “الدين وصناعة الأمراض النفسية” كيف يعمل الدين كمنظومة ضبط للوعي والانفعال، من خلال آليات إسقاط جماعي، وتبرير للعنف، وخلط بين الذنب والواجب!
لكنّ المشهد السوري اليوم، كما في مشاهد عربية عديدة، يُعيد هذه الآليات نفسها، دون الحاجة إلى دين أو نص مقدّس!
يكفي أن تقول كلمة “الفتنة”، حتى تُبرّر القتل!
يكفي أن ترفع شعار “الطرفين”، حتى تذيب الجريمة في رماد الحياد!
وهذا بالضبط ما كنتُ أقصده حين كتبت:
«الشخص المُذنب لا يطالب بحريته، بل يطلب مغفرةً ممن استعبده»!
فالإنسان الذي يعيش داخل جماعة طائفية لا يفكر، بل يتبرأ من خطاياه علنًا، ليثبت “انتماءه”!
ولو قُتل أهل بيته، سيُدين الجريمة بشرط أن تكون مقبولة من مشايخ الطائفة، أو من خطاب الجماعة…
وإلا اتُّهِم هو نفسه بأنه “كيوت”، أو أنه يُغذّي السردية المعادية!
الوصاية الرمزية… حين تصبح الطائفة هي الدين الجديد!
كما كان الدين يُمارس الوصاية على مشاعر الفرد، ويفرض عليه كيف يحب، ومتى يخاف، وكيف يعبر…
تمارس الطائفة الحديثة وصايتها الرمزية على الأقليات الأخرى:
تُقرّر متى يحق للدرزي أن يغضب!
وماذا يجب أن يقول المسيحي حين تُفجر كنيسته!
وما هو الوقت المناسب كي يُدين الكردي مجزرة ما، دون أن يُفهم موقفه على أنه “انفصال”!
وكيف يجب أن يتكلم العلوي حتى لا يُتّهم بأنه “يستفزّ الذاكرة السنية”!
كل هذا ليس سوى قناع جديد للمرض نفسه: السلطة الرمزية المغلّفة بلغة الضمير الجماعي!
مرض يلبس قناع العقل، بينما هو يمارس رقابة أشرس من أي استبداد ديني!
الرحمة الانتقائية والذنب المشروط: أمراض مقدسة بأسماء حديثة!
المرض لم يختفِ… بل تحوّل!
تحوّل من تكفير الكافر إلى تخوين المختلف!
من لوم المرتدّ إلى محاسبة من يتضامن مع الضحية “الخطأ”!
من الطهارة الطقسية إلى “التمثيل الصحيح للسردية الثورية”!
واليوم، لا تعود الضحية ضحية إلا إذا وافقنا على سرديتها!
أما إن خالفت توقّعاتنا، فسنُعيد قتلها… بالشك، وبالوصاية، وباتهامها بأنها “ساذجة”، أو “أداة بيد الخارج”، أو أنها “أخطأت التوقيت”!
«أن تُساوي بين من يجلد، ومن يُجلد… فأنت لا تفهم شيئًا عن العدل، بل تمارس اغتصابًا جديدًا للحق باسم الله أو الجماعة!» (راجع الفصل السابع عشر: الكراهية المقدسة)!
وهذا ما يُمارَس اليوم بحق السويداء، والساحل من قبلها، حين يُبرر الهجوم عليها باسم “الفتنة وفلول النظام”، أو “ردة الفعل”، أو “العمالة لإسرائيل”!
وكأن سكانها ليسوا بشرًا، بل كائنات مشروطة الوجود، لا تُستحق حمايتهم إلا إن نالوا موافقة جماعية!
وهكذا يُعاد إنتاج المرض المقدس!
فليس كل مَن انتقد الدين، تخلّص من ديكتاتوريته…
بعض من تجرّد من العباءة، ارتدى ثوب الطائفة، وبدلاً من أن يُحرّر الإنسان من سلطة النص، فرض عليه سلطة الجماعة، وسمّاها: “الحس الجمعي”، أو “الوعي الثوري”!
وهنا لا فرق بين قمع باسم الفتوى… وقمع باسم الخوف من الفتنة!
ولا فرق بين تحريم الحزن على غير المسلم… وتحريم الغضب على غير أبناء الطائفة!
لذلك…
سيبقى الإنسان الطائفي مريضًا ما دام يبحث عن مَن يُخبره متى يُدين الجريمة!
وسيظلّ مشوّهًا ما دام يطلب إذنًا كي يشعر، أو يخاف أن يُفهم حزنه بطريقة خاطئة!
وإن لم نمتلك الشجاعة لنقول: المجرم مجرم، ولو كان منّا!
فلن نكون يومًا أحرارًا… بل عبيدًا لمقدّس آخر، اسمه: الطائفة!
في النهاية، القناع تغيّر… لكن المرض واحد!
حين تتكرّر آليات التدين القمعي في الخطاب الثوري، وحين تُمارس الطائفة ذات أنماط الذنب الجمعي باسم “الوعي”، فلا فرق بين جلادٍ يُعذّبك باسم الله… وآخر يُفرغ دمك باسم الوطن!
العدالة لا تحتاج إلى “لكن، وأين كنتم عندما…”!
والألم لا يحتاج إلى إذنٍ من الطائفة!
والمجرم… لا يصبح بريئًا فقط لأنك تخاف أن تُتّهم بـ“إثارة الفتنة”!
بل إنك – حين تساوي بينه وبين ضحيته – تكون قد شاركته الجريمة، لكن بكلمات لا برصاص!