
تخيّل مريضاً أمضى سنوات يتنقل بين عيادة وأخرى، وفي كل مرة يُعاد تفسير أعراضه الجديدة من خلال تشخيصه النفسي القديم؛ أي ألم جديد، أي تعب، أي اضطراب، كله يُنسب تلقائياً إلى “القلق” أو “الاكتئاب” الذي يحمله ملفه أصلاً!
وهنا يأتي السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يحدث هذا بهذا التكرار، في عيادة تلو أخرى، في بلد تلو آخر؟!
ربما لأن المشكلة ليست دائماً في غياب المعلومات، بل في الطريقة التي نتعلم بها النظر إلى المريض! هناك مصطلح يُستخدم لوصف ظاهرة خطيرة تُسمى “التظليل التشخيصي”؛ وهو ميل الطبيب إلى تفسير الأعراض الجسدية الجديدة من خلال تشخيص نفسي موجود مسبقاً، بدلاً من التعامل معها باعتبارها أعراضاً قد يكون لها سبب مستقل يحتاج إلى البحث!
تخيّل أن مريضاً يحمل في ملفه تشخيصاً بالاكتئاب أو القلق! بعد ذلك يأتي بألم جديد، أو تعب شديد، أو تغير في الوزن، أو اضطراب عصبي، أو مشكلة هضمية! بدلاً من أن يبدأ السؤال من الصفر، قد يبدأ عقل الطبيب من التشخيص الموجود أصلاً؛ ربما القلق، ربما الاكتئاب، ربما التوتر! وهنا تحدث المشكلة الأخطر؛ التشخيص السابق يتحول من معلومة تساعد الطبيب إلى عدسة يرى من خلالها كل شيء!
والأمر لا يتعلق دائماً بطبيب سيئ أو طبيب لا يهتم بمريضه! في كثير من الأحيان، هو نتيجة لنظام طبي كامل يفصل منذ سنوات التدريب الأولى بين من يُدرَّب على الجسد ومن يُدرَّب على العقل، ثم يضع الاثنين أمام الإنسان نفسه، وكأن هذا الإنسان سيحضر معه جسداً إلى عيادة، وعقلاً آخر إلى عيادة مختلفة! والأكثر غرابة أن كثيراً من الأطباء النفسيين أنفسهم يشعرون بأن تدريبهم لا يمنحهم الكفاءة الكافية لإجراء تقييم جسدي شامل! وفي المقابل، قد لا يحصل الطبيب في تخصص جسدي على التدريب الكافي لفهم التعقيدات النفسية والمناعية والسلوكية التي يمكن أن ترافق المرض الجسدي! وهكذا يصبح المريض هو المكان الوحيد الذي تلتقي فيه هذه التخصصات، بينما الطبيب نفسه قد يكون تدرب على رؤية جزء واحد فقط منه!
وهذا السؤال نفسه هو ما حاولنا أن نطرحه في كل حلقة من هذه السلسلة، من زاوية مختلفة في كل مرة؛ بكتيريا، التهاب، مناعة ذاتية، دماغ، أمعاء، جلد، جينات! كل واحدة تبدو في البداية كقصة منفصلة، لكن عندما تجمعها معاً تظهر مشكلة أكبر؛ نحن لا نفتقد دائماً لرؤية الأمراض، بل نفتقد أحياناً الطريقة التي تسمح لنا برؤية العلاقة بينها!
فربما لا يكون الحل انتظار طبيب استثنائي واحد يفكر خارج الصندوق! ربما يكون الحل أبسط بكثير؛ أن يتعلم الطبيب، قبل أن يثبت التشخيص، أن يشك في تشخيصه نفسه! أن يسأل: هل هناك شيء آخر؟! هل بحثنا فعلاً في الاحتمالات الجسدية؟! هل هذا العرض جديد فعلاً أم أننا أعدنا تفسيره من خلال التشخيص القديم؟! هل افترضنا أن كل شيء نفسي لأن المريض يحمل ملفاً نفسياً؟! وهل يمكن أن يكون ما نسميه “انتكاسة نفسية” في بعض الحالات علامة على مرض لم نبحث عنه بعد؟!
السؤال الصحيح ليس دائماً: ما التشخيص الذي يفسر هذا؟! أحياناً السؤال الأكثر أهمية هو: ما الذي لم أبحث عنه بعد؟! لأن المشكلة ليست دائماً أن الطبيب وجد التفسير الخطأ! أحياناً تكون المشكلة أنه توقف عن البحث بعد أن وجد تفسيراً مريحاً!
وكل هذا الكلام عن الأطباء وعن النظام الطبي، كان من الممكن أن يبقى حديثاً نظرياً بعيداً عني، لو لم أكن أنا نفسي قد وقفت يوماً أمام طبيب هضمية توقف عن البحث، ووجد تفسيراً بدا له كافياً (ضغوطات نفسية في فترة كورونا لمن لديهم أعمال حرّة)، بينما كان جسدي يصرخ بشيء آخر تماماً! لذلك قررت ألا أنهي هذه السلسلة بدراسة جديدة، أو باسم باحث جديد، أو رقم جديد! بل بشيء لا يمكن وضعه في جدول إحصائي؛ جسدي أنا!
حين يصبح جسدي نفسه هو الدليل!
قبل سنوات، وصلت إلى حافة الموت بسبب التهاب القولون التقرحي! جربت ما يملكه الطب الحديث من علاجات بيولوجية وجرعات من الكورتيزون، وفي أفضل المشافي وتحت إشراف أطباء أكفاء! لكن حالتي استمرت في التدهور، حتى وصل وزني إلى 51 كيلوغراماً، ووصلت إلى قرار طبي أخير بدا في ذلك الوقت وكأنه لا يملك بديلاً؛ استئصال القولون أو الموت!
لكن وسط كل ذلك، لم يسألني أحد: ماذا تأكل؟! رغم بساطة السؤال، لم يكن محور الحديث كما توقعت! كانت الأسئلة تدور حول الدواء والجرعة والالتهاب والمنظار والمؤشرات المخبرية، بينما كان السؤال الذي كنت أبحث عنه أنا مختلفاً؛ لماذا حدث هذا لجسدي أصلاً؟!
خرجت من المشفى على مسؤوليتي، ورفضت الاستئصال! وبدأت رحلة بحث شخصية، لا عن مسكّن جديد للعرض، بل عن شيء لم أكن أعرفه بعد؛ ما الذي لم يسألني عنه أحد؟! دخلت في فترة من العزلة وإعادة ترتيب حياتي، واشتغلت على نفسي نفسياً وسلوكياً وكأنني أعالج شخصاً آخر، واهتممت بتغذيتي، واستخدمت الفيتامينات الوريدية تحت إشراف طبي مباشر! وبعد نحو ستة أسابيع، أكد المنظار اختفاء المرض بالكامل، وبالأدلة الطبية!
لكن، هل هذا يعني أنني اكتشفت علاج التهاب القولون التقرحي؟! بالتأكيد لا! هل يعني أن تجربتي تثبت أن الضغط النفسي الذي عانيته في يومياتي بفترة جائحة كورونا التي عصفت بنجاحاتي كلها، أو الطعام، هو السبب في كل حالة مشابهة؟! أيضاً لا! وهذه نقطة أصر على قولها لأنني لا أريد أن تتحول تجربتي الشخصية إلى وصفة جاهزة لشخص آخر! ما فعلته كان قراراً شخصياً، اتخذته وأنا أعلم جيداً حجم المخاطرة، وتحت إشراف طبي مباشر في عيادة صديق لي، ولا يمكن تحويل تجربة فرد واحد إلى قاعدة علاجية لملايين المرضى!
لكن تجربتي جعلتني أطرح سؤالاً لم يعد بإمكاني تجاهله؛ ماذا لو كان الطبيب يرى المرض فعلاً، لكنه لا يرى الإنسان الذي يحمل المرض؟! فالضغط النفسي الذي عشته تلك الفترة لم يبقَ بالنسبة إليّ مجرد شعور في الرأس! والمرض الذي كان يضرب أمعائي لم يبقَ مجرد التهاب محلي! كل شيء كان يتداخل مع كل شيء؛ النوم، والمزاج، والطاقة، والتغذية، والجهاز الهضمي، والاستجابة للضغط، والجسد كله!
ففي فترة كورونا تحديداً، انتقلت حياتي بسرعة من روتين الرياضة اليومية والطعام الصحي في أفخم المطاعم، إلى أي طعام متوفر بعدما أغلقت المطاعم أبوابها، وبلا رياضة على الإطلاق! فهل كان العامل النفسي هو من فجّر التهاب القولون التقرحي، أم كان التغيير المفاجئ في الروتين الغذائي هو السبب؟! هل أكلت شيئاً بعينه تسبب بكل هذه المشاكل، حتى النفسية منها، أم كان الضغط النفسي هو السبب الرئيسي الذي جرّ كل شيء آخر خلفه؟! ولعل عدم الربط بين هذين العاملين معاً، لا الفصل بينهما، كان بالضبط ما صنع هذه المأساة بأكملها!
ومن هنا بدأت أفهم شيئاً جعلني أعيد النظر في كثير من المسلمات؛ ربما لا يكون السؤال دائماً: هل المرض نفسي أم جسدي؟! ربما السؤال نفسه خاطئ! لأن الإنسان ليس عقلاً يحمل جسداً، ولا جسداً يحمل عقلاً! إنه منظومة واحدة، وكل جزء فيها يؤثر في الآخر، بدرجات وتعقيدات لا تزال العلوم نفسها تكتشفها!
وهذا لا يعني أن كل اكتئاب سببه التهاب، ولا أن كل التهاب سببه الحزن، ولا أن كل مرض جسدي يمكن علاجه بالتفكير الإيجابي! هذه اختزالات لا تقل خطراً عن الاختزال الذي نحاول نقده! المعنى أبسط وأعمق في الوقت نفسه؛ لا تختصر الإنسان في تفسير واحد! إذا كان المريض يعاني من الاكتئاب، فلا يعني ذلك أن كل عرض جديد سببه الاكتئاب! وإذا كان يعاني من مرض جسدي، فلا يعني ذلك أن حالته النفسية لا علاقة لها بما يحدث! وإذا كان العلاج لا يعمل، فليس السؤال دائماً: أي دواء أقوى؟! أحياناً يكون السؤال الأهم: ما الذي لم نسأل عنه بعد؟!
وهنا تعود بنا الرحلة كلها إلى البداية؛ من جرثومة يمكن أن تصل إلى الدماغ، إلى التهاب قد يغير طريقة عمله، إلى جهاز مناعي يخطئ في مهاجمة الجسد، إلى أمعاء تتواصل مع الدماغ، إلى جلد يكشف إشارات مناعية مرتبطة بما يحدث في الداخل، إلى جينات لا تعرف الحدود التي رسمناها بين المرض النفسي والجسدي، ثم إلى طبيب قد يخطئ عندما يصدق التفسير الأول أكثر مما ينبغي!
كل هذه القصص لا تقول إن الطب ضعيف لا يعرف شيئاً! على العكس؛ فالدراسات التي نشرتها في هذه السلسلة تقول إن الطب يعرف الكثير، لكنه ما زال يتعلم كيف يجمع هذه المعرفة في صورة إنسان واحد!
فمن قال إن كل ما يسكن عقلك وُلد في عقلك؟!
ومن قال إن كل ما يسكن جسدك منفصل تماماً عما يسكن عقلك؟!
ومن قال إن التشخيص الأول يجب أن يكون التشخيص الأخير؟!
ربما لم تكن المشكلة دائماً في أننا لم نجد المرض! ربما كانت المشكلة أننا بحثنا عنه في المكان الخطأ!
هذه كانت رحلتنا معاً؛ رحلة بدأت بسؤال عن المرض النفسي، وانتهت بسؤال أكبر بكثير، عن الإنسان نفسه!
محبتي للجميع!