اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات المجاني لا قيمة له؛ حين يدفع العقل ثمن جهله!

المجاني لا قيمة له؛ حين يدفع العقل ثمن جهله!

0
المجاني لا قيمة له؛ حين يدفع العقل ثمن جهله!

تواصل معي أحد متابعيني، صاحب شركة نشر إلكتروني، وعرض عليّ – مشكوراً – نشر كتبي في جميع التطبيقات العالمية الكبيرة بحصة خمسة وسبعين بالمئة لي، وخمسة وعشرون بالمئة لشركته!

لم أفكر في حياتي ببيع كتاب! بل لم أفكر حتى في طباعة كتبي، لأن ذلك يعني أن تصبح بمقابل مادي، وهو ما رفضته دائماً!

حاولت أن أشرح له موقفي، فردّ بجملة واحدة وجّهها إليّ مباشرة – جملة أعرفها جيداً، وكتبت عنها أحياناً بشكل غير مباشر، وحاولت طوال عمري أن أتجاهلها، لئلا يظن القارئ أنني أطمح إلى التجارة الفكرية في كتبي!

قال: كل ما هو مجاني، لا قيمة له!

أوقفتني هذه الجملة طويلاً!

لأنها حقيقة لا يمكن إنكارها، وفي الوقت ذاته جرح لا يمكن تجاهله! وهي تفتح باباً لمقارنة حادة بين شيئين لا يجتمعان إلا في سوق واحد مختل: المجاني القيّم الذي لا يراه أحد، والمدفوع الوهمي الذي يصطف الناس لشرائه!

هذا المقال محاولة للفهم، لا للشكوى؛ فدعونا نفكّك الفكرة، ولنبدأ بسؤال بسيط قبل أي كلام:

لو وجدت كتابين على طاولة واحدة – الأول بعشرين دولاراً، والثاني مجاناً – أيهما ستقرأ بتركيز أكبر؟!

لا تفكر كثيراً، الجواب فيك قبل أن تسأل!

هذه ليست مصادفة، ولا ضعفاً شخصياً، بل هي آلية نفسية عميقة زرعها فينا تاريخ طويل من التبادل والبقاء! لكن المشكلة أن هذه الآلية، حين تخرج من سوق الخضار إلى سوق الأفكار، تتحول إلى كارثة صامتة!

تتحول إلى مجتمع يدفع المال لمن يخدعه، ويتجاهل مجاناً من يحاول إنقاذه!

للتفكيك:

أولاً: سيكولوجيا الثمن – لماذا نساوي بين الغالي والصحيح؟!

في علم النفس الاقتصادي ظاهرة اسمها “Price-Quality Heuristic”، أي التحيّز الذهني الذي يجعل الدماغ البشري يستخدم السعر كاختصار للحكم على الجودة! حين لا نملك وقتاً أو أدوات للتقييم الحقيقي، يلجأ دماغنا إلى السؤال الأسهل: كم يكلف؟!

وكلما ارتفع الثمن، ارتفع في ذهننا تلقائياً احتمال الجودة!

أجرى الباحثان Ariely وShiv تجربة شهيرة: أعطوا مشاركين مسكّناً للألم وقالوا لبعضهم إنه يكلف دولارين ونصف، وللبعض الآخر أن نفس الحبة تكلف عشرة سنتات فقط! 

النتيجة صادمة، من دفع أكثر أفاد بتخفيف أكبر للألم – رغم أن الحبة واحدة بالكيمياء ذاتها! 

الثمن لم يغيّر الدواء، بل غيّر الدماغ الذي تناوله!

فما بالك حين يُطبَّق هذا على الأفكار والكتب والمحتوى الفكري؟!

حين يبيعك كوتش “برنامج تحول جذري” بخمسمئة دولار، دماغك لا يسأل: هل هذا صحيح؟! 

يسأل: خمسمئة دولار؟! هذا ذهب بقيمة صغيرة!

وحين يكتب مفكر مقالاً مجانياً يفنّد هذا الوهم بالدليل والمنطق، نفس الدماغ يقرر: مجاني؟!

يعني مش مهم كتير!

الثمن لم يقيّم المحتوى! الثمن استبدل التقييم كلياً!

ثانياً: النصّاب والكاتب – معركة غير متكافئة!

لنكن صريحين تماماً في وصف المشهد!

النصّاب (كوتش) وهذا اسمه الحقيقي حين يبيع وهماً بثمن حقيقي – يملك شيئاً لا يملكه الكاتب الحقيقي: هو يبيع ما يريده الناس أن يسمعوه، لا ما يحتاجون معرفته!

الناس لا تريد أن تسمع: الفقر الجماعي له أسباب بنيوية وتاريخية وسياسية معقدة، والخروج منه يحتاج جهداً جماعياً وإصلاحاً مؤسسياً وعقوداً من العمل!

الناس تريد أن تسمع: برمج دماغك على الوفرة واجذب المال بالطاقة الصحيحة!

الأولى حقيقة ثقيلة! الثانية وهم خفيف!

والإنسان، في معظم أحواله، يختار الخفيف – خصوصاً حين يكون متعباً وجائعاً للأمل!

وهنا بالضبط يكمن اللاتكافؤ الحقيقي: الكاتب والمفكر يحترم عقل القارئ، وهذا الاحترام يكلّفه جمهوره! 

لأن احترام العقل يعني قول الحقيقة كاملة، بما فيها الجزء المؤلم! 

يعني قول “لا أعلم” حين لا يعلم! يعني بناء حجة يمكن تفنيدها، لا تقديم يقين لا يقبل الجدل!

أما النصّاب، فهو يبيع يقيناً مريحاً بثمن مرتفع، ومن يدفع يريد أن يصدّق أنه اشترى شيئاً نافعاً، فيدافع عنه حتى لا يعترف بأنه خُدع!

الثمن هنا لا يشتري المعرفة فقط، بل يشتري الالتزام النفسي بالتصديق!

ثالثاً: شاهد من الواقع – قصة لا تحتاج تعليقاً!

في دبي، يجلس على منصة مضاءة بعناية رجل يبيع محاضرات مغلّفة بـ”سبحان الله” وبـ”طاقة الكون” وبـ”التغيير الجذري” – مقابل عشرة آلاف درهم للكورس الواحد! والحضور مرعب عدداً، بعضهم أخذ قرضاً بنكياً ليجلس في تلك القاعة ويسمع كلاماً يستطيع أي عاقل أن يفنّده في عشر دقائق!

كانت إحدى صديقاتي من المنبهرين به، من المؤمنين بكل كلمة ينطق بها!

حين عرضت عليها الأدلة والدراسات التي تفنّد الخرافات التي يبيعها، اقتنعت! 

نعم اقتنعت فعلاً! بل طلبت مني أن أدربها على الظهور وتجاوز الخوف وتطوير قدرتها الحقيقية!

وبدأت!

لكن سرعان ما لاحظت شيئاً: الجلسات معي كانت أشبه بنقاش بين أصدقاء! لا تركيز حقيقي، لا التزام، كأن الأمر لا يستحق جهداً! بل أحياناً كانت تحاول إثبات أنها على حق أمام ناقد، لا أن تتعلم شيئاً جديداً!

بينما لو كانت في القاعة المضاءة أمام “الكوتش”، لهزّت رأسها بالموافقة على كل هراء ينطق به، بعيون تلمع بالإيمان!

والخاتمة كانت على قدر المشهد: رغم معاناتها المادية الحقيقية، ذهبت بعدها واشتركت في الكورس من جديد – بدون أن تخبرني!

فقط لتسمع جملة واحدة تكررت بأشكال مختلفة طوال الكورس: أنتِ قوية! قادرة على تغيير الكون! الكون يسمعكِ! كوني قوية!

لم تذهب لتتعلم! ذهبت لتشعر!

وهذا بالضبط ما لا يستطيع المجاني أن يبيعه – لأن الشعور المدفوع يبدو دائماً أعمق من الحقيقة المجانية!

وما يزيد المشهد إيلاماً أنني لست ناقداً من الخارج!

علم النفس مسرحي الذي درسته وتعمّقت فيه وما زلت، وهو المجال الذي يستحضره هؤلاء في كل جملة ينطقونها – يستعيرون مصطلحاته، يشوّهون نظرياته، ويبيعون تفسيراته المبتورة كأسرار لا يعرفها غيرهم!

أنا أعرف من أين أخذوا الكلمات، وأعرف ما حذفوه منها عمداً، وأعرف لماذا حذفوه!

بينما الكوتش الجالس على المنصة في الغالب تخصّص في شيء واحد فقط: التسويق للوهم! لا في علم النفس الذي يدّعيه، ولا في علم الأعصاب الذي يقتبس منه، ولا في الفلسفة التي يسرق جملها – بل في كيفية تغليف الفراغ بمصطلح يبدو ثقيلاً، وبيعه بثمن يجعله يبدو ذهباً!

رابعاً: أمثلة من الواقع – المفارقة بوجوهها الكثيرة!

المفارقة تتكرر عبر التاريخ والجغرافيا بأشكال تكاد تكون كوميدية لولا أنها مأساوية!

نيتشه مات فقيراً ومجنوناً، وكتبه تُباع اليوم بالملايين! في حياته كان ينشر بتمويل شخصي وأعداد ضئيلة، وحين أرسل “هكذا تكلم زرادشت” لأصدقائه كهدية، لم يكلّف نفسه أحد قراءتها! اليوم يقتبس منه الكوتشات أنفسهم جملاً منتزعة من سياقها ليبيعوا بها وهمهم بثمن مرتفع!

سبينوزا رفض كرسياً جامعياً مدفوعاً ومات يصنع العدسات! اختار الحرية الفكرية على الراتب والمؤسسة، فعاش هامشياً ومات منسياً، وكتابه الرئيسي “الأخلاق” نُشر بعد وفاته! فكره أسّس لفلسفة الحداثة بأكملها، لكن زمنه لم يدفع له ثمناً!

في العالم العربي، الأمر أشد وضوحاً وإيلاماً! 

الكتّاب الذين يخوضون في النقد الديني والثقافي والسياسي ويقدمون تحليلات جادة غالباً ما يواجهون ثلاثة خيارات: إما التجاهل، وإما المنع والملاحقة، وإما جمهور محدود من المقتنعين أصلاً! 

في المقابل، شيخ يبيع تفسيراً مريحاً للقدر أو كوتش يبيع “قانون الجذب بالنكهة الإسلامية” يجمع ملايين المتابعين وآلاف المشترين!

والمفارقة الأشد لذعاً: كثير من المحتوى المسروق من الكتب الفكرية الجادة يُعاد تغليفه وبيعه بسعر! أفكار فرويد وأدلر ويونغ يعيد تقديمها كوتش بلغة بسيطة ونبرة واثقة بمئة دولار للجلسة، بينما كتبهم الأصلية تقبع في رفوف المكتبات أو تُحمَّل مجاناً ولا يقرأها أحد!

خامساً: المجتمع الذي يعاقب المجانية!

المشكلة ليست فردية، بل ثقافية بامتياز!

نحن نعيش في ثقافة تعلّمت أن تقيس القيمة بالثمن لأن هذا أسهل من قياسها بالمحتوى! التفكير النقدي في جودة الفكرة يحتاج جهداً وتدريباً ومعرفة سابقة! أما السعر فهو رقم واضح لا يحتاج تفسيراً!

وحين يصبح السعر معيار القيمة الوحيد، تنقلب الموازين رأساً على عقب:

الكتاب المجاني على الإنترنت لا يُقرأ! 

نفس الكتاب بغلاف جميل وسعر ثلاثين دولاراً يُشترى، وأحياناً يُقرأ!

المقال النقدي المجاني الذي يكسر وهماً يُمرَّر بسرعة! 

الكورس المدفوع الذي يبيع الوهم ذاته يُكمَّل ويُوصى به!

المفكر الذي ينشر أفكاره مجاناً خدمةً للعقل العام يُعامَل كهاوٍ! 

المدرب الذي يأخذ خمسمئة دولار للجلسة يُعامَل كخبير!

وفي هذا المجتمع، المجانية لا تُفسَّر كعطاء، بل كعجز! كأن من لا يبيع لا يملك ما يستحق البيع!

سادساً: الثمن الحقيقي للمجانية!

لكن لنكن أمناء تماماً، ولا نبرّئ المفكرين والكتّاب من كل مسؤولية!

لأن ثمة سؤالاً مزعجاً يجب طرحه: هل المجانية دائماً فضيلة، أم أنها أحياناً كسل تسويقي أو حتى نرجسية مقنّعة؟!

الفكرة الجيدة التي لا تصل إلى أحد لا تغيّر شيئاً! سقراط كان يطرح أفكاره في الأسواق لا في غرف مغلقة! ابن رشد كتب لمن يقرأ وفي زمن كان فيه الكتاب كنزاً نادراً!

المفكر الذي يكتب بشكل لا يفهمه أحد، أو يرفض كل أشكال التسويق الذاتي باعتبارها انتهازية، ثم يشكو من قلة الجمهور – يتحمّل جزءاً من مسؤولية غيابه!

المشكلة الحقيقية ليست أن الكاتب مجاني! المشكلة أن المجتمع فقد أدوات التمييز بين القيمة الحقيقية والقيمة المُصنَّعة – وهذا ما يجعل الثمن يملأ هذا الفراغ بالكامل!

في الختام: ماذا نسمّي مجتمعاً يجوع وهو يدفع ثمن طعام مسموم؟!

الإجابة بسيطة: نسمّيه مجتمعاً فقد ثقته بما هو مجاني لأنه فقد قدرته على الحكم!

حين لا تستطيع أن تفرّق بين الذهب والذهب المطليّ إلا بالأسعار، ستدفع دائماً أكثر مقابل أقل!

النصّاب لا ينجح لأنه ذكي! ينجح لأن ضحيته لا تملك مقياساً سوى الثمن!

والكاتب والمفكر لا يفشل لأن فكرته رديئة! يفشل لأنه يعرض ذهباً حقيقياً في سوق يقيس كل شيء بالغلاف والرقم المكتوب عليه!

وفي النهاية، المجتمع الذي لا يدفع ثمن تعليمه الحقيقي، سيدفع لاحقاً ثمن جهله – وهذا الثمن الأخير لن يجد له فاتورة، لكنه الأغلى على الإطلاق!

خذ سوريا والعراق ولبنان ومصر والسودان وغيرها من الدول المحطمة، كأمثلة حيّة تعيش فيها!