
كلّ أحاديثهم لا تبدأ إلا بهذه الثنائية المريضة: هم ونحن!
لغةٌ ليست بريئة، بل لغة قطيعٍ مصابة بداء التفوّق، تُنطق بالحقد وتُدار بالغرور، وتُستعمل كسلاحٍ نفسي قبل أن تكون خطابًا فكريًا!
هم دائمًا “الفرقة الناجية”، لأن النجاة عندهم حكرٌ، والسماء ملكية خاصة، والجحيم مخزنٌ جاهز لمخالفيهم!
ونحن، بحكم المنطق وحده، وقود ذلك الجحيم، لا لأننا أشرار، بل لأننا لم نركع لروايتهم!
هم “الوطنيون الأصلاء”، لأن الوطن عندهم شعار يُرفع، لا دمًا يُحفظ!
ونحن “الخونة”، لأننا لم نصفّق للعلم الملطّخ بالدم، ولم نقدّس حدودًا رُسمت بالجثث!
هم على “دين الحق”، ونحن على دين العقل، ولهذا فنحن الكفار في قاموسهم!
فالعقل جريمة، والسؤال خيانة، والتفكير الحر خروج عن الطاعة!
هم وحدهم يعرفون الله، أما نحن فلا نعرف سوى عقولنا، وتلك أكبر خطايانا في شريعتهم!
فالإله عندهم لا يسكن السماء، بل يقيم في جيوبهم وخطبهم ومفاتيح سلطتهم!
هم “الأتقياء”، ونحن “الملحدون الفجّار”، لأننا لم نتقن فنّ التبرير باسم السماء!
لم نحترف غسل الجرائم بالمقدّس، ولا تحويل الدم إلى آية، ولا القتل إلى عبادة!
هم أبناء الله المختارون، ونحن التجربة الفاشلة التي يجب محوها من السجل الإلهي!
هكذا تُصنع الإبادة لغويًا قبل أن تُنفّذ ميدانيًا!
يتحدثون عن الرحمة وهم يذبحون باسمها!
عن الوطن وهم ينهبونه حتى العظم!
عن الأخلاق وهم يبيعونها في السوق السوداء للدين والسلطة، مع خصمٍ خاصّ لأصحاب اللحى!
هم الذين يقتلون، ثم يطلبون منّا أن نصفّق للقتيل لأنه “استُشهد على أيديهم”!
هم الذين يخونون، ثم يخطبون عن الولاء كما لو كان إرثًا عائليًا!
هم الذين يعبدون الطغيان، ثم يلعنونه في خطب الجمعة ليغتسلوا من نفاقهم!
وهم الذين يكذبون باسم الله، ثم يتهموننا بأننا نكذب على الحقيقة!
هم لا يعيشون إلا بوجود “نحن”!
نحن هو أوكسجينهم النفسي، والمرآة التي يرون فيها “طهارتهم” كلما اتّسخ وجههم بالدم والكذب!
كلما ازدادوا قبحًا، رفعوا صوتهم بالتكفير والتخوين!
وكلما ارتجفت سلطتهم أمام فكرةٍ حرّة، احتموا خلف أسوار “الحق المطلق”!
هم لا يبحثون عن الله، بل عن عرشه ليجلسوا عليه!
ولا يريدون الحقيقة، بل يريدون استمرار سلطتهم فوقها!
ونحن، كلما فتحنا أفواهنا بالحقيقة، صرخوا في وجوهنا: اصمتوا يا ضالّين!
نعم، نحن الضالّون عن قطيعهم، لكننا وجدنا طريقنا أخيرًا، خارج أسوار الوهم!
وهذا بالضبط ما لن يغفروه لنا أبدًا!