
في هذا المقال سنبحث في مدى صحة ما يُعرف بـ العهدة المحمدية المنسوبة لمؤسس الإسلام محمد، والتي تزعم أنها وثيقة حماية لرهبان دير سانت كاترين في سيناء!
يعتمد البحث على منهج التحليل التاريخي والنقد النصي، للكشف عن غياب الأدلة المادية والتاريخية التي تثبت وجود العهدة في القرن السابع الميلادي!
كما يقارن المقال بين مضمون العهدة المحمدية ومضمون العهدة العمرية، ليخلص إلى أن الأولى تمثل خطابًا أسطورياً متأخرًا أُنتج لتجميل صورة السلطة الإسلامية، بينما الثانية تعكس واقعها الفعلي القائم على الإقصاء الديني!
وثيقة بلا شاهد!
منذ قرون، تتردّد على الألسنة قصة الوثيقة التي تُعرف باسم “العهدة المحمدية”، ويُقال إنها دليل على تسامح الإسلام وعدله!
لكن كلما اقتربنا من النصّ بعين النقد، تهاوت قدسيته كسقفٍ من رمل!
فلا وثيقة أصلية، ولا ذكر في المصادر الأولى، ولا منطق زمني يبرر وجودها!
أولًا: الوثيقة الغامضة!
تُعرَف العهدة المحمدية بأنها وثيقة منسوبة إلى رسول الإسلام محمد، يقال إنه منحها لرهبان دير سانت كاترين في سيناء، متضمنة وعودًا بالحماية والأمان وحرية العبادة!
لكن عند إخضاع هذه الوثيقة للتحقيق التاريخي، يتضح أن النسخة المتداولة ليست أصلية، بل نسخة متأخرة منسوخة بخط مختلف زمنيًا عن القرن السابع الميلادي!
وقد أقرّ مدير آثار دير سانت كاترين بأن النسخة الحالية هي “طبق الأصل” فقط، ولا يُعرف مصير الأصل المزعوم!
(Cairo24، أهل مصر )راجع
الأخطر أن أقدم المصادر الإسلامية — مثل سيرة ابن هشام، الواقدي، الطبري — لم تذكر أي أثر لهذه الوثيقة، رغم دقتها في نقل أدق تفاصيل العلاقات النبوية مع اليهود والنصارى!
غياب الذكر في تلك المصادر الأولى يُضعف إمكانية وجود العهدة فعلاً في زمن محمد، ويُرجّح أنها من الوثائق الموضوعة في عصور لاحقة لتبرير علاقات ودّ سياسية أو تجارية بين بعض الأديرة والسلطات الإسلامية!
ثانيًا: مفارقة العهدة العمرية!
إذا كانت العهدة المحمدية وثيقة أصيلة تعهد فيها محمد للمسيحيين بالأمان والمساواة،
فلماذا كتب عمر بن الخطاب بعد سنوات قليلة ما يُعرف بـ العهدة العمرية، التي فرضت على المسيحيين قيودًا قاسية تُلغي روح التسامح تمامًا؟!
نصوص العهدة العمرية — كما وردت في تاريخ الطبري (ج4، ص122–124) وأحكام أهل الذمة لابن القيم — تشترط على النصارى:
• ألّا يبنوا كنائس جديدة!
• ألّا يُظهروا صلبانهم أو يرفعوا أصواتهم في الصلاة!
• ألّا يركبوا الخيل أو يلبسوا مثل المسلمين!
وغيرها من الأحكام المتطرفة!
إن هذا التناقض الصارخ بين عهدين يُنسبان إلى قائدين يفصل بينهما عقد واحد فقط، يكشف أن العهدة المحمدية لم تكن معروفة ولا معترفًا بها في عصر الراشدين!
والمفارقة أن العهدة العمرية جاءت لتنسف أختها الأسطورية نسفًا، في تناقضٍ يكشف أن التسامح لم يكن يومًا سياسة الدولة بل مجرد شعارٍ في نصوص لاحقة!
ثالثًا: وظيفة الأسطورة!
الوثيقة — التي وُضعت لاحقًا — أدّت وظيفة رمزية وسياسية أكثر من كونها تعبيرًا عن واقع تاريخي!
لقد احتاجت السلطة الإسلامية في فترات معينة إلى نصٍّ تبريري يمنحها وجهًا إنسانيًا أمام العالم المسيحي، خصوصًا مع ازدياد النقد الأوروبي للإسلام في العصور الوسطى!
من هنا، وُلدت “العهدة المحمدية” كرمز تسامح مثالي، لا كوثيقة قانونية حقيقية!
إنها مثال مبكر على ما يمكن تسميته بـ “الأسطرة السياسية للرحمة”:
حيث يُصاغ النصّ الديني في قالبٍ إنساني لتبييض ماضٍ عنيف، تمامًا كما تُكتب اليوم بيانات “التسامح الديني” لتغطية جرائم الأنظمة الثيوقراطية! (السلطة باسم الإله).
رابعًا: بين النصّ والواقع!
التاريخ الإسلامي لا يشهد بأي معاملة متسامحة مطلقة كما تصفها العهدة المحمدية!
بل إن غزو مصر سنة 20هـ / 640م على يد عمرو بن العاص — بعد وفاة محمد بتسع سنوات فقط —
شهد فرض الجزية، وإخضاع الأقباط لنظام الولاء والدفع مقابل الحماية، وهو ما يناقض صراحة مضمون “العهدة” المنسوبة إلى النبي!
(راجع: البلاذري، فتوح البلدان)
بين الرمز والسياسة!
الوثيقة — حتى لو افترضنا وجودها — خدمَت عبر التاريخ وظيفة سياسية أكثر من دينية!
فهي تمنح واجهة “تسامح” شكلية، بينما الواقع كان يقطر بالعنف والتمييز!
لقد عرفت الدول الدينية فنّ الكذب المقدّس منذ بداياتها:
وثائق سلامٍ تُتلى على المنابر، وسيوفٌ تُسلّ على الرقاب!
النتيجة:
منهج النقد التاريخي يقود إلى خلاصة لا لبس فيها:
• لا يوجد دليل مادي أو نصي موثوق على صدور العهدة المحمدية عن محمد!
• أقدم ذكر لها ظهر بعد قرون من الحدث المفترض!
• مضمونها يتناقض مع السياسات الإسلامية خاصة في القرون الأولى!
• والعهدة العمرية شكّلت نقيضها العملي، ما ينسف أساسها الزمني واللاهوتي!
العهدة المحمدية، في ضوء ذلك، ليست سوى وثيقة متخيلة أُنتجت لاحقًا لأسباب سياسية ودعوية،
تخدم الخطاب الأخلاقي الحديث عن “الإسلام المتسامح”، لا التاريخ الفعلي لذلك الإسلام!
التاريخ لا يرحم الأكاذيب الجميلة!
فإما أن يكون هناك تسامح موثّق، أو نعترف بأن “التسامح” ظلّ حلمًا مؤجلًا في كتب الأساطير!
المراجع
1. الطبري، تاريخ الرسل والملوك، دار الفكر، بيروت، ج4، ص122–124.
2. ابن القيم الجوزية، أحكام أهل الذمة، دار الكتب العلمية، بيروت.
3. البلاذري، فتوح البلدان، دار ومكتبة الهلال.
4. Cairo24، مدير آثار سانت كاترين: العهدة المحمدية نسخة طبق الأصل، 2023.
5. أهل مصر، حقيقة العهدة المحمدية بدير سانت كاترين، 2024.
6. المدينة، حقيقة العهدة العمرية والفرق بينها وبين الشروط العمرية، 2023.