
صديقةٌ مساهمة في نشر المعرفة، قامت بنشر مقطع من أحد مقالاتي، وأشارت إلى المصدر بأخلاق ووعيٍ جميلين!
بعد قليل، شاهدت بنفسها النص ذاته عند أحدهم، لكن بدون ذكر المصدر!
وليس هنا لبّ المصيبة!
المصيبة، كما قالت صديقتي، أن من نسخ النص لم يتفاعل لا عندي ولا عندها، وكأن “الإعجاب” جريمة، وكأن ذكر المصدر فضيحة!
ضحكت وقلت لها: لا يهم! المهم أن تنتشر الأفكار!
هذه فلسفتي منذ سنوات وأقولها للجميع دائمًا: انشروا المعرفة حتى بدون اسمي إن أردتم!
لكنّ الآخرين يرون في ذلك انتهاكًا لحقوق الفكر والنشر، ويطالبون بالاحترام والملكية الفكرية!
وأنا أضحك بشدة ( وضمة وكسرة وسكون! ) وأقول لهم: في مجتمعاتٍ لا تُحترم فيها حقوق الإنسان ولا الحياة، تريدون منهم أن يحترموا حقوق الفكر؟!
السؤال هنا: مالعيب في ذكر المصدر؟!
من ناحيتي، أنا أسامحهم، ولا أطالب بذكر اسمي… لكن على الأقل أعيدوا صياغتها بطريقة مختلفة، واجعلوها تعكس تفكيركم إن كنتم فعلًا فاهمين لما تنقلون!
قبل سنوات طويلة، كان بعضهم يضيفني على صفحتي الشخصية، لا يعلّق، لا يتفاعل، فقط ينسخ وينشر…
بلا خجل، بلا خيال، بلا بصمة!
ولهؤلاء أقول اليوم: لم تعودوا بحاجة لنسخ أفكارنا أصلًا!
لديكم الذكاء الصناعي يكتب لكم ما هو أفصح وأجمل مما نكتب نحن!
استعينوا به كما يفعل معظم “الكتّاب والمفكرين والشعراء الجدد”!
أما أنا، فلا أثق بأيٍّ منهم ما لم يكن له أثر قبل عام 2022!
من لم يكن له وجود قبل الذكاء الصناعي، لا أعتبره صاحب فكر، بل مستهلكًا ذكيًا لفكرٍ لا يملكه!
(القدماء، وأنا أصغرهم، نستفيد اليوم من الذكاء الصناعي من الناحية اللغوية في الكتب والأبحاث، ومن ناحية سرعة البحث عن المصادر الداعمة لما نقدّمه! كتبنا وأبحاثنا ومقالاتنا منذ سنوات طويلة، قبل طفرة الذكاء الصناعي، تثبت وجودنا وفكرنا وأسلوبنا نفسه! الفرق الوحيد الآن هو جودة النص إملائيًا؛ سابقًا كانت دور النشر هي من تقوم بالتنقيح، أما اليوم فالذكاء الصناعي يقوم بذلك)!
(نصيحة: إن أردتم معرفة من يملك الفكر ومن يسرقه، انسوا الكلمات المكتوبة! تابعوا نقاشهم في البثوث المباشرة، حيث تنهار الأقنعة وتظهر الحقيقة بلا رحمة! ستكتشفون فورًا من هو المفكر ومن هو مجرد لص يختبئ خلف أقلام الآخرين)!
لكن دعونا نبتعد قليلًا عن السخرية، ونفكّك الظاهرة نفسيًا…
ما يحدث ليس مجرد سرقة فكرية، بل اضطراب نفسي وفكري متكامل، يمكن تسميته بـ “اضطراب التقمّص الفكري”!
صاحبه يعيش شعورًا دائمًا بالدونية، وبأن صوته لا يُسمع، فيحاول التقمّص ليبدو مؤثرًا!
هو لا يسرق الفكرة لأنه معجب بها، بل لأنه يغار من أثرها!
لا يهمه أن يفهمها، المهم أن يظهر في عيون الناس كأنه من كتبها!
من الناحية النفسية، هؤلاء أشخاص يعانون من احتقارٍ ذاتيّ مقنّع، يهربون منه عبر استعارة فكر الآخرين، كما يستعير الممثل شخصيةً لا تشبهه!
هم لا يملكون القدرة على الإبداع، فيتعلّقون بنتائج الآخرين كما يتعلّق الغريق بخشبة النجاة!
ولأنهم يدركون في أعماقهم أنهم مزيّفون، يخافون من التفاعل مع النص الأصلي الذي سرقوه!
يخشون أن تُفضَح العلاقة بين الأصل والنسخة، بين الكاتب الحقيقي والمقلّد!
حتى ضمائرهم، باتت تختبئ خلف زرّ “إعجاب”!
هؤلاء يعيشون أزمة هوية فكرية، وجوعًا عميقًا للاعتراف والاهتمام!
هم لا يسرقون الفكرة، بل يسرقون القيمة الاجتماعية التي وُلدت منها!
ولذا، فهم لا يضيفون شيئًا، بل يلغون أنفسهم أكثر مع كل سرقة جديدة!
في النهاية، كما قلتُ لصديقتي:
المشكلة ليست في سرقة الفكرة، بل في موت الضمير الذي يبرّرها!
لقد صار الفكر عند البعض زينةً فكرية يضعونها في واجهة حساباتهم ليبدوا مثقفين، لا بحثًا عن الحقيقة بل عن “الإعجابات”!
ما كنا نسميه يومًا “السطو الأدبي”، أصبح اليوم اضطرابًا جمعيًا في الهوية الفكرية!
اضطرابًا يصيب أولئك الذين يريدون أن يبدوا مفكرين دون أن يفكروا!
ومن لا يملك فكرًا، يسرق فكرة!
ومن لا يملك ضوءًا، يسرق وهج الآخرين!
ومن لا يملك هوية… يعيش على استعارة العقول!