
الشعوب العربية لا تحتاج لطبيب سياسي بقدر ما تحتاج لطبيب نفسي!
إنها شعوب مصابة باضطرابات مزمنة في إدراك الذات والآخر والواقع، وكأن الوعي الجمعي فيها يعيش في عيادة مغلقة منذ قرون، يكرر أعراضه دون أن يسأل عن تشخيصه!
فما يراه العالم واقعًا سياسيًا يراه العرب “قدرًا مقدسًا”، وما يُفسَّر في علم النفس كـ”اضطراب” يسمونه العرب “هوية وثقافة دينية وعادات وتقاليد”!
ولكي نقرأ هذا الوعي، لا بد أن نراه كما هو، من خلال عدسة علم النفس لا السياسة، ومن خلال الجرح لا الشعارات!
وفي هذه الرحلة، سنمرّ بثلاثة أمراض نفسية تمثل جوهر ما تعانيه المجتمعات العربية: الفصام الجمعي، التبعية النفسية، والوساوس الجماعية!
أولًا: الفصام الجمعي؛ حين تنقسم الأمة على نفسها وتعيش التناقض كهوية!
الفصام في علم النفس هو انفصال بين الواقع والتصور، وبين الذات وصورتها عن نفسها!
وفي العالم العربي، تحوّل هذا المرض إلى هوية جمعية!
فهم يتكلمون عن الأخلاق ويمارسون الفساد، يرفعون شعارات الحرية وهم يعبدون الطغاة، يتغنون بالماضي وهم يكرهون من يذكّرهم بحاضرهم!
الشعوب العربية تعيش في حالة انقسام دائم بين ما تقول وما تفعل، بين ما تؤمن به وما تمارسه، حتى أصبحت ازدواجية الخطاب قاعدة لا تُحرج أحدًا!
فهم جهاديون يريدون تحرير القدس عندما لا يكونون في السلطة، وباحثين عن السلام مع إسرائيل عندما يصلون للسلطة! عقلانيون في الشعارات الإنتخابية، طائفيون في الانتخابات، ومثقفون فقط على “الفيسبوك”، أما في حياتهم الواقعية، قمّة التخلف!
يقول الطبيب النفسي الألماني كارل ياسبرز:
الجنون ليس أن تفقد عقلك، بل أن تعيش التناقض دون أن تشعر به!
وهذا بالضبط ما يعيشه العرب!
فهم يطالبون بالديمقراطية ويمجّدون الزعيم، يكرهون إسرائيل لكنهم يتراكضون على رضاها، يهاجمون الغرب في النهار ويستجدون تأشيراته في الليل!
إنه فصام جماعي متوارث، تغذّيه الأنظمة بخطابات مزدوجة: خطاب ديني للنهار يحكي عن الجنة، وخطاب سياسي في الليل يبيع الأرض، وخطاب إعلامي يبرّر القتل باسم الوطن!
والشعوب تبتلع كل ذلك، لأنها تعيش في وهم جميل اسمه: نحن الأفضل رغم خرابنا!
الفصام الجمعي ليس مرضًا عابرًا، بل نظام تكيّف نفسيّ يحمي المجتمعات من مواجهة الحقيقة الموجعة: أنها ليست ضحية الاستعمار، بل ضحية جبنها أمام التغيير!
ثانيًا: التبعية النفسية؛ عقدة العبودية المقنّعة!
إذا كان الفصام الجمعي هو المرض، فإن التبعية النفسية هي العرض الأوضح له!
الشعوب العربية، في معظمها، لا تتنفس إلا من رئة الآخر: القائد، الشيخ، الطائفة، أو حتى “الأمة”!
إنهم لا يملكون ذاتًا مستقلة، بل “أنا” هشّة تبحث عن أب جديد في كل مرحلة، حتى لو كان ذلك الأب جلادًا!
في علم النفس، يُعرّف اضطراب التبعية بأنه:
عجز الفرد عن اتخاذ القرار دون إذن أو دعم من سلطة خارجية!
وهذا ينطبق على الشعوب التي تنتظر الزعيم ليقول لها متى تغضب، ومتى تصمت، ومتى تفرح، ومتى تبكي!
إنها علاقة مرضية مع السلطة تشبه العلاقة بين الطفل والأم، حيث تتحوّل الطاعة إلى شعور بالأمان، والعقاب إلى دليل على الحب!
فالمواطن العربي يكره السلطة لكنه يخاف غيابها!
تمامًا كما يكره السجين سجّانه، لكنه يرتعب من فكرة الخروج إلى الحرية!
يقول المفكر فرانتز فانون في معذبو الأرض:
المستعمَر حين يفقد المستعمِر، يخلق طاغية جديدًا ليملأ فراغ السيطرة!
وهذا ما يحدث تمامًا بعد كل ثورة عربية!
يسقط الطاغية، فيبدأ الشعب – دون وعي – بتجميع بقايا خوفه ليصنع طاغية آخر!
وفي هذا السياق، كتب كارن هورني:
الشخص التابع يخلط بين الحب والاحتياج، فيرى في خضوعه نوعًا من الوفاء!
وهكذا، تتحول الطاعة في العالم العربي إلى قيمة أخلاقية، وتصبح مقاومة السلطة فعلاً غير أخلاقي، بل “خيانة”!
إنهم يتعبدون في معابد الخضوع دون أن يدركوا أن الطاعة ليست فضيلة عندما تُفرض، وأن الاحترام ليس احترامًا عندما يُنتزع بالخوف!
ثالثًا: الوساوس الجماعية؛ حين يصبح الخوف نظامًا سياسيًا!
الشعوب العربية لا تُصاب بالوسواس القهري كأفراد، بل كجماعات كاملة!
الوسواس هنا لا يخصّ النظافة أو الترتيب، بل وسواس البقاء!
هوس دائم بفكرة المؤامرة، الخطر، الغزو الثقافي، انهيار الأخلاق، ضياع الهوية، و”الآخر” المتربص بهم في كل مكان!
وكأن التاريخ لم يترك لهم إلا ذاكرة الهلع، فصاروا يعبدون الخوف كإله يراقبهم من فوق المآذن والمنابر والنشرات الإخبارية!
في علم النفس، الوسواس القهري هو محاولة لا واعية للسيطرة على المجهول!
والفرد المهووس يغسل يديه عشرات المرات ليحمي نفسه من الجراثيم الوهمية!
أما الشعوب العربية فتُعيد “غسل الوعي” كل يوم، عبر الخطب والشعارات، لتطهيره من “البدع، الكفار، الليبراليين، النسويين، الغرب، الملحدين…”!
إنها طقوس تطهير ذهني، تمارسها الأنظمة السياسية والمؤسسات الدينية بمهارة كيميائي قديم يصنع الخوف من العدم!
يقول إريك فروم في الهروب من الحرية:
الإنسان الذي يخاف الحرية يخلق إلهًا، أو طاغية، أو عادة مقدسة ليختبئ وراءها!
وهذا ما نراه تمامًا في الوسواس الجمعي العربي، حيث يصبح “الطاغية” علاجًا من القلق، و”الطاعة” راحةً من التفكير، و”التقليد” ملاذًا من المجهول!
أما فرويد فكان يرى أن الوسواس هو دفاع بدائي ضد الذنب المكبوت، وأن الطقوس المتكررة هي محاولة للتكفير!
وفي العالم العربي، الطقوس الدينية والاجتماعية والسياسية تعمل بالطريقة ذاتها: يغرقون في الطاعة، لأنهم يخافون من الحرية!
أمثلة من الواقع كثيرة:
حين يتحدث الناس عن “المؤامرة على الإسلام”، فهم لا يعبرون عن وعي سياسي، بل عن عجز جماعي عن تحمّل مسؤولية الفشل!
وعندما تتناقل الجموع إشاعات نهاية العالم، فذلك لأنهم يفضّلون الكارثة على المواجهة!
وعندما يحرق أحدهم كتابًا لأنه “يهدد الإيمان”، فذلك فعل وسواسي دفاعي ضد اهتزاز الذات الهشة أمام السؤال!
الوساوس الجماعية ليست مجرد مرض نفسي، بل بنية سياسية!
فالخائف يُقاد بسهولة، والموسوس لا يثق بعقله، والقلق يحتاج دائمًا إلى وصيٍّ يهدّئ روعه!
وهكذا يتحول الوسواس إلى طريق آمن نحو الطغيان!
الزعيم يصبح المنظّف الأكبر من “النجاسات الفكرية”، والدين يصبح معقّمًا جاهزًا ضد “جراثيم التمرد”!
قال إتيان دو لا بويسي في خطاب العبودية الطوعية:
لا يحتاج الطغاة إلى القوة ليُخضعوا الناس، بل يكفي أن يُخيفوهم حتى يطلبوا العبودية بأنفسهم!
الشعوب التي لا تواجه ذاتها، تُصاب بالوسواس تجاه العالم!
فبدل أن تسأل: ما الذي فيّ يجب أن يتغيّر؟!
تسأل دائمًا: من الذي يريد تدميري؟!
وهكذا، يظل الوعي الجمعي العربي يعيش داخل غرفة مغلقة، يمسح المرايا كل يوم خوفًا من الغبار، دون أن يدرك أن الغبار ليس على الزجاج، بل على العيون!
خاتمة: من المرض إلى الوعي!
الفصام، التبعية، والوسواس… ليست مجرد أمراض نفسية، بل نُظم تفكير جماعية تربّت عليها الشعوب حتى أصبحت جزءًا من تكوينها!
إنها ثلاثية الخوف:
الخوف من الحقيقة (فصام)!
الخوف من الاستقلال (تبعية)!
والخوف من المجهول (وسواس)!
ولا علاج لها إلا بفعل واحد:
أن يجرؤ الإنسان العربي على النظر في المرآة دون أن يطلب إذن الزعيم أو فتوى الشيخ أو موافقة الجماعة!
حينها فقط، تبدأ رحلة الشفاء!