
شعوبنا اليوم لا تنام على واقعها ولا تصحو عليه، بل على “أفيون الأمل المزيف”!
إنها شعوب تربي نفسها يوميًا على وجبات من الوهم، تلتقطها من شاشات هواتفها كما يلتقط المدمن جرعته من المخدر!
ما بين “أبو العُرّيف” الذي يعرف سرّ سقوط الإمبراطوريات، و”قارئة الفنجان” التي ترى الخراب يزول في غضون شهرين، وبين “المحلل الاستراتيجي” الذي يكرر جملته المعتادة: النصر قريب، والأحداث القادمة ستقلب موازين العالم!… تجد نفسك أمام مسرح عبثي يتكرر كل صباح!
والمصيبة الكبرى أن من يرفض المشاركة في هذه المهزلة يُعتبر خارج الكون، وكأن الحقيقة جريمة! فالثقافة الجادة هنا بلا قيمة، والتفكير النقدي أشبه بعار، لأن لا مكان له وسط هذا الخراب العام!
عليك أن تركب موجة الوهم الأعظم وتفتح بسطة لبيع “التحليلات الخرندعية” كي تضمن لنفسك موطئ قدم على مسرح العبث الأكبر، وإلا فسيُمحى وجودك وتاريخك النضالي وكأنك لم تكن!
وجولة عابرة بين منشورات التخدير الجماعي على السوشيال ميديا، مقابل مقالات التوعية النقدية، كافية لكشف حجم الوهم الجمعي الذي تصرّ شعوبنا العظيمة على أن تعيش فيه!
من منظور علم النفس، الإنسان المسحوق بالفقر والقهر لا يملك إلا الوهم كملاذ!
فرويد تحدث عن “آليات الدفاع” التي يلجأ إليها العقل كي يحمي نفسه من الانهيار، وهنا يظهر الإنكار والإسقاط والأمل المفرط كأدوات للبقاء النفسي!
فبدل مواجهة الحقيقة المرة – أن لا أحد قادم ليخلّصه – يلجأ الفرد لتصديق أن هناك جيوشًا من أبطال مارفيل أو ملائكة سماوية مجنّحة ستنزل لتوزع أكياس الذهب وتعيد له وطنه المسلوب!
يا سادة هذا ليس شعبًا، بل عيادة نفسية عملاقة!
إنهم يستخدمون “آليات الدفاع” بمهارة طفل يخاف من الظلام، فيشعل شمعة وهمية ويتظاهر أن الشمس قد أشرقت!
الأمل المفرط هنا ليس فضيلة، بل إدمان نفسي يحميهم من الانهيار… لكنه إدمان يجرّهم نحو قاع أعمق كل مرة!
من منظور الفلسفة، كان نيتشه يسخر من “القطيع” الذي يعيش على انتظار الخلاص، معتبرًا أن الإيمان بالمنقذ ليس سوى استقالة من مسؤولية الحرية!
أما شوبنهاور فقد رأى أن الوهم ضرورة لتمرير الحياة، لأن الحقيقة مرّة إلى حد أن مواجهة الإنسان لها مباشرة قد تدفعه للانتحار!
وهنا ندرك أن الشعوب حين تتمسك بالوهم، فهي في الحقيقة تختار “أهون الشرور”: أن تحيا في حلم جماعي، بدل أن تواجه عري الواقع وعبثية انتظار الخلاص!
خذ مثلًا في العراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان واليمن، كم من مرة سمعنا: الانفراج بعد العيد… الفرج بعد الانتخابات… بعد اجتماع القمة… بعد سقوط الدولار…، ثم يتبين أن كل “بعد” يلد “بعدًا” جديدًا، فلا يأتي شيء سوى المزيد من الخراب!
كل يوم لدينا مئات “المحللين” الذين يملؤون الفضائيات، فيتحدثون بلهجة الواثق العارف بما تخفيه الغرف المظلمة، بينما المواطن لا يجد ثمن الخبز!
والمصيبة أنه لا تزال بعض الجماعات تنتظر “المهدي المنتظر”، وكأن قرون الدماء لا تكفي كي تدرك أن لا أحد سينقذها سوى وعيها!
في هذا الشرخ الأعظم يخرج كل يوم “عرّاف استراتيجي” ليبشّر الناس: بعد العيد ستتغير المعادلات!… يأتي العيد ويذهب، والمعادلات الوحيدة التي تتغير هي أسعار البصل!
أصبحت الشهرة وقودًا للوهم، فالسوشيال ميديا أنجبت دجّالين جدد، حتى صرتَ تجد في كل بيت بلا سقف مشهورًا ومؤثّرًا لا يفرّق بين الرقم خمسة وبين الكعكة اللبنانية المدورة!
لم يعد قارئ الفنجان يجلس في مقهى شعبي، بل صار نجمًا على “تيك توك وفيسبوك” يملك نصف مليون متابع!
لم يعد المحلل السياسي يجلس في غرفة صغيرة يقرأ الجرائد، بل صار يبيع الوهم على “يوتيوب” بمليون مشاهدة، ويُكافأ عليه بالدولار!
الحقيقة القاسية تقول: هذه الشعوب التي ترهن مصيرها على غيبيات وشائعات وتحليلات فارغة، لن تحصد إلا المزيد من الذل والفقر والجهل!
لأن الخلاص لا يأتي من “الخارج” بل من الداخل!
من القدرة على التفكير النقدي، من الجرأة على مواجهة الذات، ومن الاعتراف أن لا أحد سيحمل عنا عبء واقعنا!
إنها شعوب تُساق كالأغنام إلى “مسالخ الأمل”! تُضحكك وهي تشارك نكاتًا عن “المؤامرة الكونية”، ثم تبكيك وهي تُعيد نشر فيديو لمحلل يَعِدهم بأن “الغد أجمل”!
السؤال الفلسفي الذي يفرض نفسه هنا: هل الشعوب ضحية لهذا الدجل، أم أنها شريك متواطئ فيه لأنها ببساطة لا تريد أن ترى الحقيقة؟!