
في زمن السوشيال ميديا، صار الطريق إلى لقب “مثقف” لا يحتاج إلى أكثر من اتصال بالإنترنت، وواجهة هاتف، وكمية وافرة من الاقتباسات المغلوطة!
هل تودّ أن تُظهر نفسك قارئًا نهمًا؟ مفكرًا حساسًا؟! فيلسوفًا وجوديًا لا يفهمه أحد؟!
ببساطة: اختر مقولة حزينة، ترجّ قلوب العاطلين، وألصق في آخرها اسمًا فخمًا: فرويد، كافكا، دوستويفسكي، نيتشه، أو نزار!
وهكذا تصبح مثقفًا…
في نظر الحمقى!
المشكلة ليست فقط في الكذبة، بل في أن هذه الكذبة تُبنى فوقها شخصية كاملة!
أشخاص لا يقرؤون أصلًا، يملؤون يومهم بمقاطع تنمية بشرية سطحية، ثم يظنون أنهم يلامسون جوهر الوجود!
وفي لحظة نشوة إلكترونية، يصبح أحدهم “حكيمًا افتراضيًا”… لديه عشرات الآلاف من المتابعين، كلهم يتغذون على القمامة، ويهتفون له: زدنا يا سقراط الفيسبوك!
لكن هل تعلم، أيها “الضحية السعيدة”، أن أكثر من 99٪ من تلك المقولات المنتشرة منسوبة كذبًا إلى أصحابها؟!
نعم، لا دوستويفسكي قالها، ولا فرويد خطر بباله شيء يشبهها، بل في بعض الحالات، المقولة تعاكس تمامًا ما آمن به صاحب الاسم المنسوب إليه!
مثلًا:
فرويد لم يقل “كن قاسيًا حتى لا تُكسر”؛ بل قال العكس تمامًا: إن كبت العواطف يصنع العصاب!
نزار لم يقل “القهوة امرأة عجوز تُقبَّل كل صباح”؛ بل كان يكتب عن الحب والجسد والسياسة برشاقة شعر لا بترهات المراهقين!
دوستويفسكي لم يطالب بحرب ضد الجهل بالكتب، بل حذّر من قُدّيسين مزيفين يبيعون الوهم باسم الإيمان!
إذن… من كتب هذه المقولات؟ ولماذا؟!
من خلف الستار؟!
من خلال دراستي لسلوك “العقل الإلكتروني”، وتحديدًا طرق توجيه الجماهير وصناعة الرأي العام، اكتشفت أن معظم هذه “الاقتباسات” ليست بريئة كما تبدو!
ليست مجرد عبارات تافهة، بل أدوات ناعمة للسيطرة، تُنتج شعبًا وديعًا، مُحبطًا، يرى نفسه عميقًا وهو يغرق في التفاهة!
هذه المقولات تُبرّر الفشل، وتُجمّل الجهل، وتُكافئ الضحية…
كأن تقول لإنسانٍ كسول يرفض التعلم:
“العظماء يُفشلهم الناس لأنهم لا يُفهمون!”
وهكذا لا يعود بحاجة للقراءة أو التطوير… يكفيه أن يشعر بأنه عظيمٌ مرفوض!
أو تُبرر للعاجز عن الحب والعلاقات:
“الطيّبون دائمًا من يُكسرون!”
فيكفّ عن مراجعة نفسه، ويرى قسوته فضيلة، وكبته بطولة!
هذه ليست عبارات تحفيزية، بل مخدّرات فكرية!
تُبرمج الإنسان على أن يرضى بالوهم، ما دام يشعر بأنه ضحية سامية!
القشة التي تهدمك من الداخل!
كل مقولة كاذبة تمرّ في عقلك دون أن تعترضها، تترك أثرًا!
حتى لو بدت “بسيطة” أو “عادية”!
لأن العقل لا يفرّق دائمًا بين الحقيقة والزيف حين يُستهلك بشكل تراكمي!
وهذا ما شرحه فرويد بدقة في كتبه الأصلية — لا تلك النسخ المفرغة التي تنشرها صفحات “اقتباسات العظماء”!
فرويد قالها بصراحة:
الإنسان يتشكّل من تراكماته النفسية منذ طفولته، مرورًا بتجاربه، وصولًا إلى كل فكرة سمح لها بالاستقرار في لاوعيه! (ليس اقتباسًا، بل مفهومه من كتبه، راجع محاضراته في التحليل النفسي، كتاب الأنا والهو، تفسير الأحلام..)!
وهكذا، حين تسمح لعشرات المقولات الزائفة بالتسلل إلى وعيك، فأنت لا “تستمتع بالحكمة” بل تُعيد برمجة نفسك ببطء لتُصبح شيئًا لا يشبهك…
أو لنقل: لتصبح الشيء الذي يريده الآخرون منك أن تكونه!
إذن، ماذا تفعل؟!
قاوم!
نقّ عقلك كما تنقّي معدتك من التسمم!
كل معلومة تمر، اسأل عنها: من قالها؟ متى؟ أين؟
اقرأ الأصل… لا النسخة المشوّهة التي صُممت لتُشبع غرورك أو حزنك أو كسلك!
لا تصدّق أن الثقافة تُنشر عبر صور ملونة وموسيقى حزينة!
ولا أن الفلسفة تُختصر في جملة حزينة على خلفية سوداء!
ولا أن فرويد كان يعاني من اكتئاب، أو أن كافكا كان يكره الحياة، أو أن نيتشه انتحر لأنه لم يحتمل الحقيقة!
لا تصدّق شيئًا…
حتى تقرأه بنفسك!
لأن من يختبئ خلف أسماء العظماء، هو غالبًا أصغر بكثير من أن يكون له اسمه!
فكر قليلًا…
كم مرة انبهرتَ بمقولة، ووضعتها خلفيّة لهاتفك، وشاركتها في حالة واتسابك، ثم نسيت أن تتحقّق من معناها… أو مصدرها… أو كذبها؟
كم مرة شعرت بالفخر لأنك “تتألم كالعظماء”، بينما أنت في الحقيقة تستهلك سمًّا فكريًا مغلفًا بورق فخم؟!
الآن…
هل تجرؤ على فتح كتب هؤلاء الذين تنسب إليهم عمقك المزوّر؟!
هل تملك الشجاعة لقراءتهم دون وساطة الصفحات “العميقة” التي تعلفك بالكذب؟!
هل أنت مستعدّ للتخلّي عن دور الضحية الذكية… لتصبح إنسانًا حرًا يفكر؟!
أم أنك ستكتفي بوضع قلب وتعليق “آه والله” تحت اقتباس جديد لدوستويفسكي… لم يقله قط؟!